ميقاتي يردّ اعتباره ويشدّد على صلاحياته
الأربعاء، ٠٤ كانون الثاني، ٢٠١٢
جريدة الجمهورية – شارل جبّور
إنّ رَفض مجلس شورى الدولة قرار الحكومة الأخير بزيادة الأجور ورَدّه إلى الحكومة، أعاد الاعتبار لموقف رئيسها نجيب ميقاتي بعد تعرّضه لانقلاب موصوف داخل مجلس الوزراء، دفعه مؤخرا إلى التأكيد على صلاحيات الرئاسة الثالثة، هذا الموقف الذي تمّ تفسيره على غير حقيقته أو مقاصده الفعلية.
نجح رئيس الحكومة باستعادة المبادرة السياسية في ملف الأجور، الأمر الذي سيدفع قوى 8 آذار إلى التعاون معه، مرغمين، من أجل اجتراح مشروع رابع للأجور يوفّق بين طرحَي ميقاتي ووزير العمل شربل نحاس. فالتصويت بعد اليوم على هذا المشروع بات مستبعدا، لأنه يتطلب التوافق على خطة واحدة تخرجه إلى الضوء والترجمة العملية، لا المراوحة في دائرة الاقتراحات غير القابلة للتطبيق.
وستجد قوى 8 آذار نفسها مضطرة للعودة إلى مضمون الاتفاق الذي رعاه رئيس الحكومة مع طرفي الإنتاج، في سابقة فريدة من نوعها في تاريخ العلاقة بينهما، إذ توصّل بموجبه كل من الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية إلى اتفاق خطي، وهذا الاتفاق هو الوحيد الذي يشكل المعبر الآمن إلى زيادة لا يدفع البلد ثمنها ولا تتسبب بحالة تضخم كبيرة بسبب تحمّل الهيئات الاقتصادية أعباء مالية غير قادرة على تحملها، لما يرتّبه من معادلات جديدة على مستوى تعويضات نهاية الخدمة وحسابات الضمان ودمج بدل النقل في اساس الراتب.
وفي هذا السياق ذكرت أوساط مقرّبة من ميقاتي بموقفه في الجلسة التي شهدت الانقلاب الموصوف، إذ إنه رد على مسارعة وزير العمل إلى طرح مشروعه بشكل مفاجئ على التصويت، ورفضه الاتفاق بين الاتحاد والهيئات وبتدبير بين الاطراف الثلاثة («حزب الله» و»حركة أمل» و»تكتل التغيير والإصلاح») بالآتي: «اذا صوّتنا على مشروعك نخشى ألا يوافق عليه مجلس شورى الدولة، وأن نعود مجددا الى نقطة الصفر، في حين ان الغلاء سبق الزيادات، عندها ماذا نكون قد فعلنا».
وأضافت الأوساط نفسها: «إن دلّ هذا الأمر على شيء، فإنه يدلّ على استشراف رئيس الحكومة للمسائل، ليس لأنه يمتلك رؤية أفضل من غيره، إنما لكونه يتحسّس الواقع وينطلق في مقارباته من نظرة موضوعية - واقعية تأخذ في الاعتبار الموازنة بين الزيادة والقدرة على تغطيتها، لأنّ أي تجاوز للسقف المحدد يترك تداعيات اقتصادية فادحة»، مؤكدة أن قرار مجلس شورى الدولة أعاد الحق لأصحابه، مشددة أنه انتصار لمنطق القانون على المنطق الشعبوي الذي كان سيجر البلاد إلى منزلقات خطرة.
أما لجهة موقف ميقاتي الذي حذر من «أنّ أيّ محاولة للانتقاص من صلاحيات رئاسة الحكومة، سواء من خلال التصويب المباشر على المؤسسة والقيّمين عليها، او من خلال ابتداع سوابق في الممارسة السياسية داخل مجلس الوزراء او خارجه، ستجد من الحريصين على احترام الدستور والتقيّد بنصوصه الميثاقية، ونحن في مقدمهم، رفضا مطلقا لا مجال للمساومة عليه او للمقايضة». فهذا الموقف أثار وما يزال يثير انتقادات واسعة داخل صفوف 8 آذار، التي وجدت في موقف ميقاتي مناسبة للنيل منه على خلفية «مذهبيته ومزايداته السنية الهادفة إلى تثبيت مشروعيته داخل بيئته في مواجهة الحريرية السياسية».
ولكن في حقيقة الأمر، شكّل موقف رئيس الحكومة ردا على ما آلت إليه الأمور في ملف الأجور والانقلاب الذي تمّ في مجلس الوزراء، كما ردا على محاولات قوى 8 آذار تكريس معادلات تجعل ميقاتي تحت رحمة الأكثرية في الحكومة، إذ إن الركون إلى التصويت في ظل أكثرية واضحة لهذه القوى يفقد رئيس الحكومة دوره وتأثيره وحركته وهامشه، ويجعله رهينة بيدها ومنفّذا لمشيئتها، ما ينعكس على صورته ووضعه داخل بيئته بأنه يفرّط بصلاحيات الرئاسة الثالثة. وهذا ما يحاول تفاديه، لا بل الظهور بمظهر التمسّك بهذه الصلاحيات إلى أبعد الحدود، ليس فقط تعويضا عن طريقة وصوله إلى رئاسة الحكومة بواسطة رافعة «حزب الله»، إنما حرصا منه على الدستور ودور رئيس الحكومة وصلاحياته.
فصحيح أن السلطة الإجرائية تُناط بمجلس الوزراء مجتمعا، ولكن رئيس الحكومة يدعو هذا المجلس للانعقاد ويضع جدول أعماله، كما أن «قراراته تتخذ توافقيا، وإذا تعذر ذلك فبالتصويت»، والهدف من هذه الإشارة هو تغليب النقاش العلمي والموضوعي على الاعتبارات السياسية الانتقامية، فضلا عن أن ظروف تشكيل هذه الحكومة التي رأى فيها «حزب الله» فرصة انقلابية، بينما رأى فيها ميقاتي فرصة انتقالية، أتاحَت للحزب الحكم على قاعدة غالب ومغلوب ليس فقط بين 8 و14 آذار، إنما أيضا على مستوى تحجيم الرئاسة الثالثة، وهذا ما لن يسمح به ميقاتي، خصوصا لجهة تكريس معادلات جديدة تضرب الدستور وتحوّل الاستثناء الذي أتت به هذه الحكومة إلى قاعدة.

