بروتوكول المحكمة... آخر معارك «حزب الـله» الحكوميّة
الجمعة، ٢٠ كانون الثاني، ٢٠١٢
جريدة الجمهورية – كريستينا شطح
في ظلّ موقفين متناقضين من التجديد على بروتوكول المحكمة الدولية لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي والغالبية الحكوميّة، يصبح من المتعذّر التوافق على المخرج الملائم، وبالتالي تصبح هذه المعضلة السياسية في صدارة علاقة رئيس الحكومة بـ"حزب الله"، خصوصاً أنّ كليهما لن يتزحزح عن موقفه المتصلّب، ولن يُجازف بمصير الحكومة واستقرار الغالبية.
مصادر "حزب الله" تلفت الى أنّه ثبت بالوجه الشرعي أنّ الرجل لم يقدّم للحزب عندما قرّر دعم ترشيحه الى رئاسة الحكومة أيّ التزامات مسبقة بالتنصّل من المحكمة خلافاً للاتّهامات التي سيقت ضدّه بعد تكليفه، مشيرة الى أنّ هناك خلافا فعليّا بين ميقاتي وبعض مكوّنات حكومته حول كيفية مقاربة مسألة التمويل، إلّا انّها تلفت الانتباه الى انّ خلفيّات موقفه الداعم للمحكمة الدولية تختلف جذريّا عن تلك التي كانت تتحكّم بسلوك سعد الحريري أثناء وجوده في السلطة. لكن "حزب الله" منزعج من ميقاتي لأنّه يلتزم باحترام المحكمة الدولية ويتعهّد علَنا تجديد بروتوكول التعاون معها عِلماً أنّ الحزب يعتبرها إسرائيليّة - أميركية، ويرى الرئيس نبيه برّي والعماد ميشال عون أنّها غير دستورية لتجاوزها في مراحلها التأسيسية مجلس النوّاب ورئاسة الجمهورية.
ولعلّ المفارقة، وفقاً للأوساط نفسها، أنّ الحريري كان قد أبدى في المقابل الاستعداد لإلغاء بروتوكول المحكمة ووقف تمويلها وسحب القضاة اللبنانيّين منها، وإن يكن الخلاف على أشياء أخرى قد عطّل الاتفاق لاحقاً، إضافةً الى أنّ ميقاتي يبالغ في التمسّك بما يعتبره "صلاحياته الدستورية" كرئيس لمجلس الوزراء، وهذا ما تجلّى بوضوح خلال فترة التفاوض على تشكيل الحكومة الحاليّة ثمّ أثناء نقاش خطة الكهرباء التي أصرّ على تعديلها، في حين أنّ الحريري بدا إبّان ولايته أكثرمرونة وأقلّ حساسيّة.
وحسب الأوساط، فإنّ ميقاتي عرف سلفاً موقف الحزب من المحكمة الدولية ورفضه الاعتراف بها، وقد أدرك أنّه سيصل ذات يوم إلى الاصطدام بالعبئين الأثقل على حكومته منذ تأليفها: أن تقف ضدّه الغالبية الحكومية، وأن يجد نفسه وجهاً لوجه مع المحكمة، وهو اليوم أمام هذين الاستحقاقين، لكنّ "حزب الله" يعترف أنّ الرئيس ميقاتي فرض معادلة أساسيّة على الغالبية التي لا يرأسها، وهي أنّه حاجة ضروريّة وحتميّة لها سواء مارست حكومته السلطة أو تحوّلت حكومة تصريف أعمال. وعلى هذا الأساس فإنّ الحزب يصرّ على رفض المحكمة والتمويل ولكنّه يتمسّك بميقاتي رئيساً للحكومة، ويقترح حلّاً تِلوَ آخر من أجل التوصّل إلى تفاهم الحدّ الأدنى، خصوصا أنّ للمحكمة أولوية على الحكومة، ولكنّه لن يهدر موقع ميقاتي في معادلة الحكم معه. فنظرة الحزب الى ميقاتي تختلف تماماً عن النظرة الى سلفه. فسعد الحريري الذي شكّل خلال وجوده في السلطة جزءاً عضويّا من مشروع أميركي لاستهداف المقاومة، أراد استخدام المحكمة كأداة للضغط عليها، ولأنّ الحريري كان منخرطاً في هذا المشروع فهو لم يستطع ان يقطع الأمتارالأخيرة من الطريق المؤدّية الى التسوية التي كادت تولد، لو لم يتمّ إجهاضها في اللحظة الحاسمة.
أمّا ميقاتي، فليس جزءاً من منظومة أميركيّة للنيل من المقاومة، كما تؤكّد الأوساط التي ترى أنّ التزامه بالمحكمة عائد بالدرجة الأولى الى رغبته في مراعاة المزاج العام للشارع السنّي وعدم إغضاب المجتمع الدولي. ويفهم "حزب الله" تشدّد ميقاتي في مواقفه من مطالب شركائه الجدد في السلطة، مفترضاً أنّ رصيده الحاليّ داخل الطائفة السنّية، لا يؤهّله للتبرع بتنازلات للآخرين، بل بالكاد يؤمّن له "الاكتفاء الذاتي" بينما كان الحريري المستند الى شعبية أوسع يملك هامشاً أكبر لتقديم التنازلات، وتسويقها، وتحمّل كلفتها. هذه الخصوصية للرئيس ميقاتي تؤكّد أنّ الحكومة ليست تابعة لـ"حزب الله" كما يروّج فريق 14آذار، بل تحوي مزيجا من قوى وكتل متعدّدة الآراء، تعطي الأولويّة للنقاش والتفاهم حول النقاط الخلافية، فإذا تعذّر ذلك فلا بدّ في نهاية المطاف من الاحتكام الى الآلية الدستورية التي لحظها اتّفاق الطائف لحسم الخلافات والمتمثلة في التصويت داخل مجلس الوزراء، وهذا ما يمكن ان يحصل مع بند تجديد بروتوكول المحكمة إذا تعذّر التوافق حول كيفيّة مقاربته، لا سيّما أنّ "حزب الله" ليس بوارد أن يوافق طوعاً على أن تمنح الحكومة التي يشارك فيها أيّ شرعية لهذه المحكمة، سواء مباشرة أم مداورة.
وتجزم الأوساط أنّ قيادة الحزب أخذت في الاعتبار أنّ ميقاتي قدّم التزاماً واحداً الى "حزب الله" عشيّة تكليفه، يتّصل بحماية المقاومة، وهذا يكفي للوثوق به، من دون تجاهل التباين القائم بينه وبين قوى الاكثرية حول بقيّة المسائل. وتخلص الأوساط الى التأكيد أنّ حكومة ميقاتي أقوى ممّا يعتقد الكثيرون، والتمايزات بين رئيسها ومكوّناتها لن تؤدّي الى تفجيرها من الداخل لأن لا مصلحة لأحد من قوى الأكثرية اليوم أن تذهب الحكومة الى الاستقالة.
وحسب المصادر فإنّ رئيس مجلس النواب نبيه برّي كلّف لجاناً نيابية متخصّصة في التحضير قانونيّاً ودستورياً لكيفية مقاربة تجديد بروتوكول المحكمة وإمكانية عرضه على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ومن ثمّ رئيس مجلس النواب.

