عام على 25 كانون الثاني .. ميقـاتي والغضـب المزدوج
الجمعة، ٢٧ كانون الثاني، ٢٠١٢
جريدة السفير – غسان ريفي
عام مرّ على يوم الغضب في طرابلس في 25 كانون الثاني من العام 2011. يومها حاول الخاسرون من تكليف نجيب ميقاتي برئاسة الحكومة إخراج «المارد السني» من القمقم لإسقاط من خانوا «رمز السنة» الرئيس سعد الحريري الذي وجد نفسه ليل اليوم المشؤوم، مضطرا للاعتذار عن الأذى الذي ألحقه غضبه بشعب طرابلس الذي نأى بنفسه بمعظمه يومها عن المشاركة تاركا المدينة «لمن يهمهم الأمر» ليعيثوا فيها اعتداء وتكسيرا وإحراقا، بهدف معاقبة طرابلس على طموحات ابنها في أن يكون رئيس حكومة لبنان.
لم يكن شعب طرابلس غاضبا يومها، بل كانت الأكثرية الطرابلسية تتطلع الى استعادة دور تاريخي لمدينة سلب قرارها على مدى عقدين من الزمن، ووجدت في مآل الرئاسة الثالثة الى ابنها فرصة لا تعوض لرسم ملامح مرحلة تستعيد فيها قرارها السياسي، وتأثيرها في الحكم.
أطفأ نجيب ميقاتي وحليفاه محمد الصفدي وأحمد كرامي نار يوم الغضب بضبط نفس حال دون جر المدينة الى فتنة داخلية، ونزع ابن طرابلس بمجرد قبوله التكليف فتائل تفجير كانت مزروعة على مساحة الوطن، وبرّد سخونة الأرضية السنية ـ الشيعية، والسنية ـ السنية، التي كان يسعى البعض لاشعالها، وسار في درب جلجلة التشكيل الذي نغّص نهايته السعيدة، يوم غضب مسلح دامٍ من الخاصرة الطرابلسية الرخوة في التبانة وجبل محسن، لتعاقب طرابلس مجددا على نيلها حصة وزارية وازنة تمثلت برئيس حكومة وأربعة وزراء، ولتمنع بالتالي من الاحتفال بهذا الانجاز غير المسبوق في أي حكومة لبنانية منذ الاستقلال...
قبل ميقاتي التحدي، وعينه على طرابلس، «الملعب» الذي يسعى فيه الخصوم لتسجيل أهدافهم التي يمكن أن يحتسب كل منها بهدفين، فرسم خطا أحمر عريضا للأمن، وحصّن ظهره بقوى سياسية بدءا بزعامة آل كرامي التاريخية، والحضور القوي للصفدي، وبكثير من القوى السياسية والاسلامية والنقابية وهيئات المجتمع المدني التي شاركت بكل قطاعاتها في اللقاءات التضامنية معه، ووجدت في دخول ابن الميقاتي الى السرايا الكبيرة تثبيتا لطرابلس على الخارطة السياسية، وحضورا لها في مجلس الوزراء، وأملا في إنصاف أبنائها وفي عودتها بقوة الى الادارة اللبنانية، بعدما فقدت كل ما لديها من وظائف هامة لمصلحة المحافظات والمدن الأخرى خلال التحاقها بالمركزية السياسية التي أعدمت فاعليتها.
لم يعتمد ابن طرابلس مبدأ الدفاع عن النفس، بل اشتغل على مزاج الناس وعقولهم وعلى إقناعهم بأنه ليس رئيس حكومة «حزب الله»، ولا حكومة اللون الواحد، ولا ينفّذ أجندة حزبية أو إقليمية أو سورية على وجه التحديد.
أكد ابن طرابلس أنه الأحرص على الموظفين السنّة ممن يدعون حماية الطائفة والذين كانوا يتمنون الثأر من المحسوبين عليهم لايجاد السلاح الذي يواجهون به ميقاتي بعدما نجح في زمن قياسي في سحب أسلحتهم الواحد تلو الآخر، وكان آخرها وأبرزها وفاؤه بعهد تمويل المحكمة الدولية ليرد فيها رئيس الحكومة الصاع صاعين على من كانوا مستعدين للتخلي عن المحكمة من أجل السلطة، فاذا به يؤكد للجميع أنه كان مستعدا للتخلي عن السلطة من أجل المحكمة.
المفارقة بعد عام كامل على «يوم الغضب»، أن ميقاتي لم ينجح في تخفيف غضب الخصوم برغم أنه أنجز لهم في السياسة ما عجزوا هم عن إنجازه لأنفسهم، كما أنه بدأ يثير غضب الحلفاء الذين لا يجدون سبيلا للسيطرة عليه أو للعمل بتوجهاتهم، ما يجعله هدفا دائما لسهامهم.
لم يعد خافيا على أحد أن هذا الغضب المزدوج بدأ يرفع من رصيد ميقاتي في الشارع السني وفي مدينته طرابلس ومنطقة الشمال التي تتعاطف معه أمام ما يتعرض له من حملات متتالية بعناوين مختلفة، وترى أنه قام خلال فترة ستة أشهر بما عجز عن القيام به نظراءه من رؤساء الحكومات ممن كانوا يملكون مساحة غير محدودة من حرية الحركة السياسية.

