«المستقبل» منزعج من الاندفاعة الميقاتية في ساحته العكارية
الإثنين، ٣٠ كانون الثاني، ٢٠١٢
جريدة السفير – غسان ريفي
إذا كان اللقاء الذي جمع بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وأكثر من 70 رئيس بلدية في عكار في السرايا الكبيرة منتصف الاسبوع الفائت، قد عكس تناغما واضحا بينه وبين ممثلي السلطة المحلية في عكار، لا سيما حول ضرورة وصول قطار الإنماء الى مناطقهم، فإن هذا اللقاء نفسه قد طوى، من جهة، مرحلة كاملة من تصنيف عكار وأهلها في خانة «تيار المستقبل» منذ العام 2005، ومن جهة ثانية، شرّع باب هواجس «التيار الأزرق» من إمكان تشريع أبواب آخر حصونه أمام من يصنّف بأنه «ألد الخصوم»، والمتهم المباشر بإقصاء زعيم المستقبل سعد الحريري عن رئاسة الحكومة.
بدا واضحا أن هذا اللقاء البلدي جعل «المستقبل» يراجع حساباته في قلعته العكارية، وفتح أيضا المجال واسعا أمام قراءات سياسية أبرزها أن ميقاتي بدأ باعتماد مبدأ «أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم»، وبالتالي، إذا كان «التيار الأزرق» قد حاول مرارا وتكرارا منذ «يوم الغضب» الشهير، غداة تكليف ميقاتي تشكيل الحكومة، اللعب في عرين رئيس الحكومة في طرابلس، فإن ميقاتي بعد سنة كاملة نجح في الوصول الى خطوط الدعم الخلفية المتمثلة بالخزان البشري العكاري والاحتياط الاستراتيجي الذي شكل العمود الفقري لكل التحركات الشعبية التي قام بها «تيار المستقبل» منذ 14 آذار من العام 2005، فضلا عن تمكن ميقاتي من مد يده الى بلديات أخرى وهيئات أهلية وشبابية كان يعتبرها «المستقبل» تحت مظلته، بدءا من قرى العرقوب وصولا الى بيروت وجوارها والتي تلقفت مجتمعة ومن دون أي تردد، مبادرات رئيس الحكومة.
ويمكن القول ان الهدف الذي سجله ميقاتي في مرمى «المستقبل» في عكار كان بفعل تشتت «الدفاع الأزرق» والثغرات الكثيرة التي تجعل صفوفه عرضة للاختراقات منذ مغادرة زعيمه لبنان، وتحول دون قدرته على حماية خط ظهره، وذلك بسبب صراع النفوذ القائم والخلافات المستفحلة بين النواب والمنسقين والكوادر والذي لم يفلح الاجتماع الذي ترأسه الأمين العام أحمد الحريري مطلع الاسبوع الفائت في التخفيف من حدته ومن انعكاساته السلبية، ما يجعل الهوة تتسع يوما بعد يوم بين قيادات وأركان «المستقبل» وبين القاعدة الشعبية العكارية، سواء بسبب انعدام الخدمات وتوقف المساعدات المالية منذ ما بعد الانتخابات النيابية، وعدم ترجمة كل الوعود التي أطلقت في هذا الاطار، أو نتيجة عدم قدرة مسؤولي «المستقبل» على احتواء مشكلات عدد كبير من البلديات وفي مقدمها اتحاد بلديات الدريب واتحاد بلديات نهر الاسطوان اللذان جرى حلهما بسبب الخلافات والصراعات التي وقفت الجهة السياسية الحاضنة عاجزة عن إيجاد التسويات بين أعضائهما، ما أدى الى تحويل ملف اتحاد نهر الاسطوان الى وزارة الداخلية.
لذلك فقد شكلت دعوة ميقاتي لرؤساء بلديات عكار الى الاجتماع في السرايا الكبيرة فرصة لا تعوض لعدد كبير منهم للخروج من هذا الواقع المأزوم، وتغليب الإنماء على السياسة، وبالتالي فإن ضغط أحمد الحريري على رؤساء البلديات سواء بالاتصالات المباشرة معهم أو عبر المنسقين لم يحقق مبتغاه، حيث تشير المعلومات الى أن المنسقين سمعوا كلاما واضحا من أحد رؤساء البلديات مفاده، «أننا في السياسة مع «تيار المستقبل» لكننا لسنا منتسبين إليه، وما دام التيار غائبا بشكل كامل عن تقديم أي دعم لبلدياتنا وقرانا، وبالتالي فإن أحدا لا يستطيع الضغط علينا للتمنع عن لقاء رئيس الحكومة الذي تربطنا به علاقات جيدة، ومصالح عديدة لا سيما في ظل المشاريع التي تحضر لعكار.»
وبحسب المعلومات أيضا، لم يتوان عدد من رؤساء البلديات عن الرد بعنف على المنسقين، وعبروا عن رفضهم المطلق لأي وصاية قد تمارس عليهم وتحد من تحركاتهم، ليخلص أحدهم للقول «إن من لا يعطي ويقدم لا يحق له أن يحاسب ويمنع»..
ويبدو أن القيادة المركزية في «تيار المستقبل» فوجئت بحجم المشاركين في اللقاء البلدي العكاري في السرايا الكبيرة، حيث تشير المعلومات الى أن الرئيس سعد الحريري اتصل من المستــشفى الأمــيركي في باريــس منزعجا ومستفسرا عن هذا اللقاء وكيفية حصوله، الأمر الذي أحرج الأمين العام أحمد الحريري، فسارع الى توجيه لوم وعتــب شديدين الى رؤساء البلديات بشكل مباشر لا سيــما أولئــك المحسوبين على تياره أو المتحالفين معه، مطالبا إياهم بتوضيح مواقفهم والعودة عن تصـاريح كانوا أدلوا بها بعد اللقاء الى بعض وسائل الاعلام وأشادوا فيها بحكمة ووطنية وصدق ميقاتي، الأمر الذي أحدث حالة من الارتباك الشديد ضمن الهيكلية التنظيمية لتيار المستقبل في عكار، تــشير المعطيات الى أنها قد لا تنتهي في وقت قريب، خصوصا في ظل تمسك بعض رؤساء البلديات بمواقفهم، علما أن الماكينة الاعلامية الزرقاء سعت الى اصدار بيانات نفي أو توضيح عن بعض رؤساء البلديات العكارية، لكنها لم تف بالغرض.
في الخلاصة يبدو واضحا اليوم أن «تيار المستقبل» بدأ يشعر بخطوات ميقاتية جدية في ساحته العكارية، وإذا كان من المبالغ القول إن هذه الخطوات ستكون لها ارتدادات كبيرة على الأرض التي يقف عليها «التيار الأزرق»، فإنها حتما لن تمر مرور الكرام وربما تكون لها تتمتها في المستقبل.

