ما الهدف الفعلي من "تعليق" مجالس الوزراء؟
السبت، ٠٤ شباط، ٢٠١٢
جريدة النهار – سركيس نعوم
الخبراء في القانون، ومعهم الصحافيون "الخبراء" فيه ايضاً، سيغتنمون فرصة "تعليق" رئيس الحكومة جلسات مجلس الوزراء قبل يومين للخوض في مدى انسجام هذه الخطوة مع الدستور والقانون في صورة عامة. ويُرجَّح في حال كهذه ان ينطلق معظم هؤلاء في بحثهم القانوني من خلفيات سياسية – طائفية – مذهبية، وذلك تبعاً لموقع كل منهم في الصراع الدائر حالياً بين اللبنانيين بل في الحرب السياسية المشتعلة بينهم. طبعاً لا يرمي هذا الكلام الى النيل من خبرائنا القانونيين، ذلك انهم يمتلكون في معظمهم المعرفة القانونية على اتساعها وتشعبها. لكنهم "بشر"، وتوظيف العلم والمعرفة لخدمة "الاهداف" عند بعض البشر امر اساسي ومفهوم على لا عدالته.
في اي حال ليس النقد همُّنا، فنحن نحترم كل الناس وكل الاتجاهات وكل المواقع وإن اختلفنا معها. لكن في معمعة "التعليق" التي ادخل فيها الرئيس ميقاتي البلاد، بل التي اجبره وزراء "التيار الوطني الحر" على ادخالها فيها، لا بد من قول بعض الاشياء، ومن منطلق سياسي لا قانوني، التي قد تلقي بعض الضوء على ما يجري. اولاً، ليس في صلاحيات رئيس مجلس الوزراء اللبناني اي نص عن "تعليق" الجلسات. هناك نص يقول ان رئيس الحكومة هو الذي يدعو الى عقد جلسات لمجلس الوزراء وهو الذي يترأسها. فهو رئيس السلطة التنفيذية. اما رئيس الجمهورية فانه يترأس الجلسات التي يحضرها. لكنه لا يمتلك حق الدعوة الى عقدها. وبهذا المعنى يمكن تفسير "التعليق" الميقاتي بأنه قرار بالامتناع عن الدعوة الى جلسات مجلس الوزراء ما لم يتوصل مع الذين يعطلون في رأيه الانتاج الحكومي واعمالها عن مواقفهم السلبية والمتشددة. وانطلاقاً من هذا يمكن وصف "التعليق" بأنه قرار سياسي الهدف منه "شد الحبل" مع "التيار الوطني الحر" والذين يغطونه، ولكن من دون قطعه. ثانياً يمكن الاشارة هنا الى ان ميقاتي، وعلى ما بدا من تصريحاته في طرابلس، متمسك بخطوته ولن يتراجع عنها قبل زوال الاسباب التي ادت اليها. ثالثاً يمكن الاشارة الى ان في إمكان الذين يرون "التعليق" غير دستوري والذين لا يوافقونه عليه لأن لا مبرر له في رأيهم، يمكن ان يلجأوا الى مجلس النواب، ويطلبوا منه داخله التراجع عن موقفه "السياسي" في نظر البعض، و"القانوني" في نظر البعض الآخر، وغير القانوني في نظر البعض الثالث، تحت طائلة مساءلته او بالأحرى تحت طائلة نزع الثقة عن حكومته او على الاقل محاولة نزعها. وبذلك يكون الاحتكام الى السلطة الاشتراعية وليس الى "الشوارع" والغرائز التي تسيّر معظمها.
ما هي النتيجة التي قد يحققها اللجوء الى مجلس النواب؟
النتيجة ستكون الاعلان الرسمي لانهاء الاكثرية النيابية "الجديدة". ذلك ان الظروف ستجمع المعارضة "الجديدة" ايضاً مع نواب "جبهة النضال الوطني" الجنبلاطية وكتلة ميقاتي، فتتحول المساءلة ومحاولة نزع الثقة لمصلحة الاخير. وهذا امر لا يريده خصوم ميقاتي من "حلفائه" في الاكثرية الجديدة التي اوصلته الى السرايا الحكومية، ولا يريده قائدهم "حزب الله" الذي يراقب مواقفه بدقة وبحذر وربما بشكوك كثيرة، وخصوصاً من موضوعي "المحكمة الخاصة بلبنان" وارسال الجيش الى الشمال الحدودي. فهم وإن كانوا لا يرون مصلحة لهم في استقالة حكومته في الظروف الراهنة فإنهم واثقون ان لا مصلحة لهم في تقويته بثقة جديدة.
في اي حال على هؤلاء الاخصام ان يعرفوا جيداً ان ميقاتي ليس "حبتين". فهو "بارد" وذكي ومناور وشاطر في التقاط الفرص وحماية مصالحه. والفرصة التي اتاحها له تصرّف وزراء "التيار الوطني الحر" بشعبويته وبفوقيته وبلا ذكائه مكّنه او قد يمكّنه، اذا لم تستجد ظروف معاكسة، من تجنب امرين. الاول، تلافي عرض تعديل بروتوكول "المحكمة" على مجلس الوزراء، كما يصرّ فريق 8 آذار، وقائده على الاقل الى ما بعد شباط الذي يفترض ان تشهد نهايته تمديد الامين العام للامم المتحدة مدتها ثلاث سنوات جديدة. اما الثاني، فهو تلافي عرض موضوع إرسال الجيش الى الشمال المحاذي لسوريا لضبط التهريب رسمياً ولحماية ظهر نظام الاسد من الجهة اللبنانية عملياً، وكذلك لضرب "الاسلام اللبناني" المعادي للنظام المذكور بذريعة انه "قاعدة" او إرهاب.
هل ينجح ميقاتي في ان "يظمط" سالماً من الموضوعين المذكورين؟ الله اعلم.

