رئيس الحكومة في باريس ضيف منفرد "فوق العادة"
الثلاثاء، ٠٧ شباط، ٢٠١٢
جريدة الجريدة – جورج شاهين
لن تكون الزيارة التي سيقوم بها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في العاشر من الشهر الجاري إلى العاصمة الفرنسية زيارة عادية على الإطلاق. فقد استعدّت لها الحكومة الفرنسية ما فيه الكفاية منذ أن أعلن عنها كمكافأة له غداة تمويل حصّة لبنان للمحكمة الخاصة، ما أوحى أنّه كانت هناك أزمة صامتة مع السراي وانتهت. فما هو المنتظر منها؟
في المعلومات التي تبادلتها المراجع المعنية بالزيارة، تلك التي تسعى الى إنجاحها بكلّ المقاييس السياسية والإقتصادية والدبلوماسية، أو تلك التي تتوجّس منها أنّ هذه الزيارة تأتي في توقيت دقيق للغاية وفي مرحلة تمرّ بها العلاقات بين فرنسا والمنطقة بمطبّات غير اعتيادية وخصوصاً تلك المتّصلة بالموقف الفرنسي السلبي المعلن من الملف السوري.
في حسابات الساعين إلى إنجاحها
ففي حسابات العاملين على إنجاح الزيارة أنّ ميقاتي اخترق الجدار الأوروبّي السميك الذي كان قائما في وجهه منذ ان تمّ تكليفه تشكيل الحكومة الجديدة قبل عام واسبوعين تقريبا، باعتبارها كانت إحدى معاقل سلفه رئيس تيار المستقبل سعد الحريري. ولا ينسى هذا الفريق انّ امام ميقاتي فرصة ذهبية لاقتحام المعقل الأوّل للاتّحاد الأوروبّي بعدما عانى ما عاناه من لائحة شروطها التي رافقته منذ تلك اللحظة في 25 كانون الثاني العام الماضي وجعلته تحت مجهر الاتّحاد الأوروبّي الذي فتح له دفتر حساب خاص به.
وعليه، يسعى الفريق الذي نظّم الزيارة وسعى اليها من اجل شرح المواقف التي باتت من ثوابت رئيس الحكومة على مستويات عدة، ولا سيما تلك المتّصلة بوفائه لتعهّداته التي قطعها في البيان الوزاري لحكومته، والتي أشار اليها "باحترام ما نصّت عليه القرارات الدولية ولا سيّما منها القرار 1701 والقوات الدولية المعزّزة في جنوب لبنان، والإيفاء بالتزامات لبنان الدولية تجاه المحكمة الخاصة بلبنان...".
كما سيسعى الرئيس ميقاتي الى شرح الأسباب الموجبة والوجيهة التي دفعت بلبنان الى النأي بالنفس عن الملف السوري، وسعيه ما امكن الى تجنيب الساحة اللبنانية تداعيات الأحداث فيها، ما جعله في مواجهة الأكثرية الدولية في مجلس الأمن الدولي طيلة العام الماضي التي كان لبنان فيها عضوا ممثّلا للمجموعة العربية فيه، ولاحقا في مواجهة غالبية الأنظمة والحكومات العربية، متمنّيا ان تتفهّم العاصمة الفرنسية الخصوصيّات التي تحكم علاقات الجوار بين لبنان وسوريا، مع إصراره على التزام لبنان كلّ قرارات الحصار والعقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضتها المجموعة الدوليّة على سوريا، وخصوصا على المستويات الماليّة والاقتصادية.
وفي هذا المجال يدرك مستشارو الرئيس ميقاتي أنّهم يتوجّهون الى العاصمة التي كانت أكثر تشدّداً مع النظام السوري ومن دُعاة المضيّ في العقوبات الماليّة والمصرفيّة على المصرف التجاري السوريّ والمؤسسات السورية الكبرى المملوكة من الدولة والنظام، وهي عبّرت عن خشيتها من استغلال الخاصرة اللبنانيّة للتبرّم من هذه العقوبات والتفلّت منها قدر الإمكان ومتى توافر لها المخرج عبر حلفائها في لبنان.
كما سيجهد الرئيس ميقاتي في توفير الدعم الموعود به على اكثر من مستوى ولا سيّما على مستوى دعم المؤسّسات العسكرية والجيش اللبناني خصوصا، كما بالنسبة الى القضايا الإقتصادية والمالية، في ضوء الاتّفاقيات القائمة بين البلدين، لافتاً الى أهمّية ان يستمرّ في مهامّه الحكوميّة لحماية الاستقرار في لبنان ومنع حصول أيّ فراغ دستوريّ وما يمكن ان يستتبعه من أزمات سياسيّة أو تدهور أمنيّ في الداخل على خلفيّات ما آلت اليه التطوّرات الأمنية في سوريا، بالإضافة الى ضمان وقف الخروقات الإسرائيلية لسماء وبرّ لبنان وبحره، ولا سيّما على مستوى وضع اليد على ما يستحقّ للبنان من الثروات النفطية في المنطقة الإقتصادية الخالصة من المياه الإقليمية اللبنانية والدولية.
... وفي حسابات المتوجّسين
وفي حسابات المتوجّسين من الزيارة الباريسية سيل من المخاوف التي لم تظهر الى العلن قبل ان تندلع الأزمة الحكومية الحالية، والتي آلت في وجه من وجوهها إلى شلّ العمل الحكومي وتجميد اعمال مجلس الوزراء، ما يوحي بأنّ ميقاتي أراد هذه الخطوة في هذا الشهر بالذات لرفع المسؤولية الملقاة على حكومته تجاه مطالبة الأكثريّة الوزاريّة بإعادة النظر بالاتّفاقية المعقودة بين لبنان والمحكمة الدولية والبروتوكولات التي نتجت عنها، كما بالنسبة الى الموقف من سوريا، بعدما جهدت الأكثرية المتضامنة مع نظام الأسد في البحث عمّا تسمّيه التساهل الذي يبديه ميقاتي في ملفّ تهريب السلاح من لبنان الى سوريا، الى ما هنالك من الخطوات التي استحقّ عليها "زيارة التأنيب" للسفير السوري الى السراي الكبير قبل أسبوعين، ومن بعدها الزيارة التي قام بها الأمين العام للمجلس الأعلى السوري – اللبناني نصري خوري.
وزاد الطين بلّة أنّ الزيارة تأتي في وقت ارتفع فيه منسوب الهجمة الدبلوماسية الفرنسية على النظام في سوريا، فسبقت كلّ من المانيا والولايات المتحدة في السباق الى فرض المزيد من العقوبات على سوريا في اعقاب أحداث حمص وما رافق الفيتو الصيني – الروسي المشترك من ردّات فعل دولية قادت فرنسا فيها الجانب التصعيدي الى النهاية.
ولذلك تسعى هذه الأكثرية الى تكريس وجود وزير الخارجية اللبنانية عدنان منصور الى جانب الرئيس ميقاتي في لقاءاته الرسمية في العاصمة الفرنسية. وثمّة من يتحدّث في أروقة الخارجية اللبنانية عن أزمة صامتة تحت هذا العنوان بعدما نميَ إلى بعض الأقطاب أنّ البرنامج الرسمي لميقاتي لحظ خلوة مع الرئيس الفرنسي من الندّ الى الندّ من دون شريك ثالث، ما قد يؤدّي الى إلغاء تركيبة الوفد الحكومي اللبناني وسحب الوزراء منه.
ضيف فريد
إلى ذلك، ترصد المراجع الدبلوماسية بدقّة الحفاوة المرتقبة التي سيلقاها ميقاتي في العاصمة الفرنسية عندما ستفتح أمامه ابواب الإليزة وقصر ماتينيون، وإن بقي باب الكي دورسيه مقفلاً فإنّ السبب يعود الى غياب وزير الخارجية الفرنسية عن بلاده، لكنّه سيكون زائراً فوق العادة في بيروت بعد ايّام لمتابعة ما يمكن ان يتمّ التوصّل اليه أثناء زيارة ميقاتي اليها، ووضع ما يتمّ التفاهم عليه موضع التنفيذ.
وتعليقاً على الأجواء المحيطة بالزيارة وما نجم عن استبعاد الوزراء من الوفد، ومنهم وزير الخارجيّة ليكون منفردا في لقاءاته، نُقل عن احد المراقبين الخبثاء قوله: ما أشبه اليوم بالبارحة، فهل تطير الحكومة قبل ان يدخل ميقاتي قصر الإليزيه؟ ويجيب من دون ان ينتظر جواباً من أحد ليقول: إنّ الظروف اليوم هي غير تلك التي رافقت دخول الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري الى البيت الأبيض قبل عام، وإلّا لكان السؤال في محلّه في الشكل والتوقيت والمضمون...

