ميقاتي في باريس سعياً لضخ المزيد من "الرصيد الدولي"
الخميس، ٠٩ شباط، ٢٠١٢
جريدة الشرق الأوسط
يحمل رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي غدا ملفاته إلى باريس، مترقبا جدولا واحدا من شقين للزيارة التي تستمر ثلاثة أيام؛ الأول عادي، عناوينه العلاقات والاتفاقات الثنائية، وسيتم التداول في بنوده مع رئيس الحكومة الفرنسية فرنسوا فيون والوزراء المعنيين. أما الثاني، وهو الأهم، فإن المعني بتحديد عناوينه وموضوعاته الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خلال لقاء قصر الإليزيه.
ووفقا لمصادر متابعة، فإن الرئيس ميقاتي يركز اهتمامه على تحضير أجوبة كافية أو مقنعة حول قضايا شائكة يرتقب أن يطرحها الرئيس الفرنسي؛ بدءا من وضعية الحكومة ومدى تحكم حزب الله في قراراتها، مرورا بالوضع السوري والعقوبات الاقتصادية، ووصولا إلى استحقاق تجديد بروتوكول المحكمة الدولية، ومن دون إغفال موضوع المشاركة الفرنسية في قوات اليونيفيل والتلويح بسحبها أو تقليص عديدها إذا ما تعرضت لاعتداءات جديدة.
وتؤكد المصادر ذاتها أن ميقاتي يسعى إلى ضخ المزيد من الثقة في رصيده الدولي بعد الزيارة الناجحة إلى نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي، وبعد وفائه بوعد «تمرير» دفع حصة لبنان من تمويل ميزانية المحكمة الدولية للعام الحالي. خلافا للانطباعات المحلية والخارجية التي عكسها بعد قبوله ترؤس الحكومة وتأليفها إثر إسقاط الحكومة السابقة برئاسة سعد الحريري من قبل أطراف «8 آذار» (مارس) بقيادة حزب الله.
ووفق رؤية المصادر، فإن «مهمة» نيويورك التي فتحت بوابة واشنطن، فتحت أيضا بوابات العواصم الدولية؛ وفي مقدمها لندن وباريس، ربطا بما حققته من تقدم مشهود في تصحيح الصورة، وإعادة تصويب المواقف الدولية في اتجاه فتح قنوات الاتصال على أعلى المستويات. وهذا ما يمنح الرئيس ميقاتي قوة دعم مسبقة، وهامشا للنقاش وتقدير المواقف التي تتخذها حكومته في ظروف إقليمية بالغة التوتر والتعقيد، خصوصا لجهة المسألة السورية باختلاف تشعباتها.
وفي رصد للنجاح الذي حققه رئيس الحكومة في أوساط الدبلوماسية الأميركية، روى متابعون لـ«الشرق الأوسط» أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون التي التقت ميقاتي على هامش زيارته إلى نيويورك بحضور مساعدها لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان الذي يعرف المسؤولين اللبنانيين جيدا، أظهرت برودة متعمدة في بداية الاجتماع المشترك، وجدية شديدة في طرح المواضيع والأسئلة لدرجة تثير الضيق لدى ضيفها.
لكن المثير والمفاجئ معا، أن ميقاتي كان هادئا للغاية ويظهر اهتماما بكل كلمة وعبارة تصدر عن رئيسة الدبلوماسية الأميركية، ووجد فرصته في كسب جولة الحوار حين سألت كلينتون: «مثلا، كيف يمكنك أن تتعامل مع استحقاق تمويل المحكمة مع حكومة ساهم حزب الله بفعالية في تسميتك رئيسا لها وفي تأليفها؟»، فجاء الرد، مع إظهار تعجب لطريقة صياغة السؤال: «كيف تتوجهين لي بهذا السؤال وأنا هنا أمثل لبنان في رئاسة مجلس الأمن الدولي؟ فنحن من ندعو الآخرين إلى تنفيذ القرارات الدولية، ونتمنى أن تهتموا بكل القرارات وأن تدعوا الجميع إلى الالتزام بها وتنفيذها، فلا يمكن أن نكون انتقائيين في احترام القرارات الدولية. كما نجدد مطالبة الولايات المتحدة الأميركية بدعم الجيش اللبناني لتنفيذ المهام المطلوبة منه، خصوصا في ما يتعلق بالقرار الدولي الرقم 1701».
عند هذه النقطة تغيرت تماما أجواء الاجتماع، فصار التخاطب أكثر ودا، معززا بمداخلة ناعمة لفيلتمان أوجز فيها وضعية لبنان المعقدة. وانصب اهتمام كلينتون على مقاربة الوضع السوري من زاوية دعوة الحكومة إلى عدم تحويل لبنان إلى رئة للاقتصاد السوري الذي يتعرض لعقوبات عربية ودولية. ومجددا جاء رد ميقاتي صريحا ومباشرا: «لبنان يلتزم بأي قرارات تصدر عن مجلس الأمن الدولي، وليس في وارد تعريض مؤسساته المالية والمصرفية لأي أخطار تنتج عن المساهمة في الالتفاف على عقوبات أميركية أو أوروبية أو عربية، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار التداخل الجغرافي والسياسي والاقتصادي، وخصوصيات العلاقات والاتفاقات بين البلدين».
بعد انتهاء الاجتماع، نقل فيلتمان لقريبين منه أن وزيرة الخارجية قالت له حرفيا: «أعجبني. لقد كان صريحا للغاية ومواقفه جيدة، فهل تعتقد أنه سيكون قادرا على تنفيذ ما التزم به، خصوصا لجهة تمويل المحكمة؟». وكان التقدير المشترك انتظار توازي القول مع الفعل. وهذا ما حدث لاحقا، فكسب ميقاتي نقاط ثقة إضافية لدى الإدارة الأميركية، فيما جزم مسؤول أميركي بمعني: «إنه بغض النظر عن المواقف والقناعات، ربما كان متعذرا تصور تمرير هذا التمويل مع أي حكومة أخرى».
وعكست كلينتون انطباعها في تصريحها يومها، حيث قالت: «كانت المحادثات مع رئيس الحكومة اللبنانية ممتازة في شأن العديد من الالتزامات الدولية المتوجبة على لبنان، وأكد لي رئيس الحكومة استمرار لبنان في تنفيذ القرارات الدولية». أما فيلتمان، فقال: «وزيرة الخارجية لفتت نظر الحكومة اللبنانية إلى ضرورة أن يكون لبنان حذرا لجهة تعاطيه مع الوضع في سوريا، وأن لبنان يجب أن لا يكون على الحياد حيال فرض عقوبات على أعمال العنف التي يمارسها النظام السوري».

