رحيل "الأفندي": تثبيت زعامة تجذب الحريري وميقاتي
الإثنين، ٠٥ كانون الثاني، ٢٠١٥
جريدة الأخبار - عبد الكافي الصمد
هي من المرات القليلة والنادرة التي التقى فيها تيارا المستقبل والعزم في طرابلس على أمر معين، وهذه المرّة كانت للإشادة بالرئيس عمر كرامي بعد وفاته، في إشارة حملت أكثر من دلالة تتجاوز مجرد ذكر محاسن الأموات بعد رحيلهم.
تقاطع التيارين في نقطة المشاركة في جنازة "أفندي" طرابلس لم يكن نابعاً من فراغ، فالراحل كان من ضمن قلة بين السياسيين، وتحديداً في الطائفة السّنية، استطاع إبقاء حيثيته السياسية قائمة ومميزة، ونسج علاقة سياسية جيدة مع أحد الطرفين ـ المستقبل والعزم ـ من دون أن تعادي الآخر.
لكن علاقة كرامي الجيدة والمستجدة مع تياري الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، لم تكن وحدها الدافع وراء تسابقهما لمشاركة عائلة كرامي العزاء بغياب فقيدها، إذ تبين للتيارين أن زعامة آل كرامي في طرابلس لا تزال متجذرة وحاضرة بقوة، برغم سنوات الحصار السياسي عليها، وإبعادها عن السلطة لوقت طويل، وهو ما أثبتته المشاركة الشعبية الواسعة في التشييع والتعزية، ما جعل الطرفين يعيدان حساباتهما. إذ أدرك المستقبل والعزم معاً، بعد دراسات واستطلاعات رأيٍ عديدة أجرياها أخيراً، أن أي مواجهة انتخابية مرتقبة بينهما في طرابلس، لن يكتب فيها النجاح لأحدهما ولا انتصاره على الآخر وهزيمته، نظراً إلى تقارب قوتهما الانتخابية، إلا إذا جرت الاستعانة بطرف ثالث يرجّح كفة أحدهما، وهذا الطرف ليس سوى كرامي وتياره.
بخبرته السياسية وحنكته، لمس الراحل بعدما قارع لسنوات ظروفاً كثيرة وقاهرة للمحافظة على الزعامة السياسية لعائلته، أن تودد الطرفين له سياسياً ينبع من حاجتهما إلى دعمه، فلم يتردد في مصافحة اليد التي امتدت إليه، ونسج علاقة مع الطرفين لم تقترب من التحالف السياسي معهما، إلا أنها ابتعدت بالتأكيد عن الخصومة معهما، بعد سنوات من الكباش بينه وبينهما، حاولا فيها "دفن" زعامة آل كرامي التقليدية، كما دُفنت زعامات أخرى، لكن من غير أن يفلحا.
الودّ السياسي الطارئ بين تياري المستقبل والعزم مع كرامي، وتحديداً مع وريثه السياسي نجله فيصل، تمثل في تشكيل كل منهما وفوداً كبيرة لتقديم العزاء في معرض رشيد كرامي بطرابلس، عدا عن مشاركة ميقاتي شخصياً في التشييع وتقبل العزاء مع عائلة كرامي، ومثله فعل آل الحريري عندما وقف الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري وشقيقه نادر الحريري مدير مكتب الرئيس سعد الحريري إلى جانب فيصل كرامي، كتفاً بكتف، للغاية نفسها. وتوافد نواب المستقبل ومنسقو التيار الأزرق في طرابلس والشمال، مع شخصيات ووفود أخرى، لتقديم التعزية أيضاً.
هذا التقارب السياسي الذي عبّر عن نفسه في تشييع كرامي، ترافق أيضاً مع زيارة شخصيات وأحزاب للمدينة للمرة الأولى منذ سنوات، نتيجة التوتر الأمني فيها والتحريض السياسي الطائفي والمذهبي الذي جعل كثيرين يعزفون عن التوجه إليها، فجاءت وفاة كرامي لتكسر هذا الحاجز. ومن أبرز زوار طرابلس في هذا المجال الرئيس أمين الجميل، والنائبان وليد جنبلاط وسليمان فرنجية، ووفدا حزب الله والتيار الوطني الحر، وسواهم من سياسيين.
وإلى جانب المشهد الجامع محلياً في عزاء كرامي، كان لافتاً أن نجله فيصل تلقى اتصالات تعزية كان أبرزها من الرئيس السوري بشار الأسد، وكذلك القيادة السعودية التي أرسلت برقية عزاء مع سفيرها في لبنان علي عواض العسيري، فضلاً عن اتصالات تعزية تلقاها كرامي من وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف ووزير خارجية قطر وأمير مكة.
هذه "الهجمة" تجاه آل كرامي، رأت فيها مصادر سياسية طرابلسية تعبيراً عن "3 قراءات: الأولى تكفير عن ظلم ارتُكب بحق عائلة لم تشكل أي تنظيم مسلح ولم تورط يديها بدماء اللبنانيين وبقيت بعيدة عن الفساد السياسي والمالي في لبنان؛ والثاني إحساس بفراغ كبير في الساحة السياسية في لبنان كون كرامي واحداً من آخر الزعماء السياسيين التقليديين؛ والثالث محاولة التقرب أو استمالة وريث زعامة آل كرامي إلى صفها، بعدما أثبتت حضورها القوي الذي فاجأ كثيرين".
وخلصت المصادر إلى أن "المشهد السياسي والشعبي الكبير في تشييع كرامي وفي التعزية به (ما دفع عائلة كرامي إلى تخصيص يوم غد لتقبل التعزية في بيروت)، أعطى درساً سياسياً بالغاً لكل القوى والشخصيات السياسية، مفاده أن من لا يحافظ على حيثيته السياسية وحضوره، لن ينال اعتراف الآخرين به ولا تقربهم منه، أو حتى تعاطفهم معه".

