الرئيس ميقاتي: ندعو الإتحاد الأوروبي لحل ملف النازحين ونرفض أن يصبح لبنان وطناً بديلاً

عقد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس جمهورية قبرص نيكوس خريستودوليدس ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين اجتماعاً ثلاثياً في السرايا اليوم وذلك في إطار زيارة رسمية للبنان تستمر عدة ساعات.

وكان الرئيس القبرصي ورئيسة المفوضية الأوروبية وصلا الى لبنان صباحاً قادمين من قبرص واستقبلهما رئيس الحكومة في المطار، وتوجّها من هناك إلى السراي الحكومي حيث أقيمت لهما مراسم الإستقبال الرسمية.

بعد ذلك عقد الرئيس ميقاتي والرئيس القبرصي ورئيسة المفوضية الأوروبية اجتماعاً ثلاثياً أعقبته محادثات موسعة شارك فيها عن الجانب اللبناني وزراء الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب، الدفاع العميد موريس سليم، الداخلية والبلديات القاضي بسام مولوي، رئيس لجنة الشؤون الخارجية النيابية النائب فادي علامة، قائد الجيش العماد جوزف عون، سفير لبنان لدى الإتحاد الأوروبي فادي الحاج علي، المدير العام لرئاسة الجمهورية الدكتور أنطوان شقير، المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، المدير العام للأمن العام اللواء إلياس البيسري، مستشارا الرئيس ميقاتي السفير بطرس عساكر وزياد ميقاتي.

وعن الجانب القبرصي شارك في المحادثات وزيرا الخارجية كوستاندينوس كومبوس والداخلية كوستانتينوس ايوانو، سفيرة قبرص في لبنان ماريا حاجي تيودوسيو، الناطق باسم الحكومة قسطنطينوس ليتمبيوتيس، ومدير المخابرات تازوس تزيونيس.

وعن الجانب الأوروبي شاركت رئيسة بعثة الإتحاد الأوروبي في لبنان ساندرا دي وال، والمستشار الديبلوماسي فرناندو اندرسن غويماريس.

لقاء صحافي

في ختام المحادثات عقد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس جمهورية قبرص نيكوس خريستودوليدس ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين لقاءً صحافياً مشتركا.ً

وقال رئيس الحكومة نجيب ميقاتي: سعدنا هذا الصباح باستقبال فخامة رئيس جمهورية قبرص السيد نيكوس خريستودوليدس ورئيسة المفوضية الأوروبية السيدة أورسولا فون دير لاين، وعقدنا إجتماعاً مثمراً عرضنا في خلاله  العلاقات الثنائية بين لبنان ودول الإتحاد الأوروبي لا سيما قبرص، والأوضاع في المنطقة والوضع المأسوي في غزة والإعتداءات الإسرائيلية. وجددت دعوتي الإتحاد الأوروبي والعالم الى الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني، والعمل على إرساء حل نهائي شامل وعادل للقضية الفلسطينية. وكررنا دعوتنا المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف عدوانها المتمادي على جنوب لبنان.

خصصنا القسم الأكبر من الإجتماع لبحث ملف النازحين السوريين الموجودين على الأراضي اللبنانية والتعاون بين لبنان وقبرص ودول الإتحاد الأوروبي لمعالجة هذا الملف وتداعياته المباشرة وغير المباشرة.

وفي هذا الإطار عبرّنا أولاً عن تقديرنا لتفهّم بعض دول الإتحاد الأوروبي في اجتماعه الأخير لطلب الحكومة اللبنانية، إعادة النظر في سياسات الإتحاد الأوروبي المتعلقة بإدارة أزمة النازحين السوريين في لبنان. وهذا الموقف يترجم بزيارة فخامة الرئيس والسيدة رئيسة المفوضية الأوروبية.

إن لبنان تحمّل، منذ اندلاع المعارك في سوريا عام 2011، العبء الأكبر بين دول المنطقة والعالم في موضوع استضافة النازحين، مع ما شكله هذا الملف من ضغط كبير على الشعب اللبناني برمته وعلى كل القطاعات اللبنانية. وكنا حريصين دوماً على التعاون مع مختلف الهيئات والمنظمات الأوروبية والدولية في هذا الملف، إلا أن الواقع الحالي لهذا الموضوع بات أكبر من قدرة لبنان على التحمّل، خصوصاً وأن عدد النازحين بات يناهز ثلث عدد اللبنانيين، مع ما يترتب على ذلك من أعباء وتحديات تضاعف من أزمة لبنان الإقتصادية والمالية وتهالك بناه التحتية. والأخطر من ذلك تصاعد النفور بين النازحين السوريين، وبينهم وبين بعض المجتمع اللبناني المضيف نتيجة الأحداث والجرائم التي ارتفعت وتيرتها وباتت تهدد أمن لبنان واللبنانيين واستقرار الأوضاع فيه.

ولا يفوتني في هذا اللقاء أن أذكّر بما طرحته في كل الإجتماعات واللقاءات الدولية التي أعقدها، ولا سيما مع الإتحاد الأوروبي، حيث كنت أحذر من أن كرة النار المرتبطة بملف النازحين لن تنحصر تداعياتها في لبنان، بل ستمتد الى أوروبا لتتحول الى أزمة اقليمية ودولية. ونحن على قناعة ثابتة بأن أمن لبنان من أمن دول أوروبا والعكس، وإن تعاوننا الجدي والبنّاء لحل هذا الملف يشكل المدخل الحقيقي لاستقرار الأوضاع، مع الأخذ بعين الإعتبار الإحترام المتبادل والتعاون المثمر والوعي الأوروبي والدولي للحفاظ على الخصوصية اللبنانية التي تشكل قيمة معنوية للشرق والغرب.

إننا نرفض أن يتحوّل وطننا الى وطن بديل، وندعو أصدقاءنا في الإتحاد الأوروبي الى الحفاظ على قيمة لبنان والمضي في حل هذا الملف جذرياً وبأسرع وقت، انطلاقاً من المعرفة المتبادلة بيننا وبين الإتحاد الأوروبي ودول العالم بأن مدخل الحل سياسي بامتياز.

وفي رأينا، انطلاقاً من واقع سوريا حالياً، أن المطلوب كمرحلة أولى الإقرار أوروبيا ودولياً بأن أغلب المناطق السورية بات آمناً ما يسهل عملية إعادة النازحين، وفي مرحلة أولى الذي دخلوا لبنان بعد العام 2016 ومعظمهم نزح الى لبنان لأسباب اقتصادية بحتة ولا تنطبق عليهم صفة النزوح.

في هذه المناسبة نجدد مطالبة الإتحاد الأوروبي، بما كررناه على الدوام، من أن المطلوب دعم النازحين في بلادهم لتشجيعهم على العودة الطوعية ما يضمن لهم عيشاً كريماً في وطنهم. وإذا كنا نشدد على هذه المسألة فمن منطلق تحذيرنا من تحوّل لبنان بلد عبور من سوريا الى أوروبا، وما الإشكالات التي تحصل على الحدود القبرصية إلا عينة مما قد يحصل إذا لم تعالج هذه المسألة بشكل جذري.

فخامة الرئيس، حضرة رئيسة المفوضية الأوروبية

إن لبنان يقدّر للإتحاد الأوروبي موقفه الجديد بدعم المؤسسات العسكرية والأمنية في لبنان لتمكينها من ضبط الحدود البحرية والبرية والقيام بواجباتها في منع الهجرة غير الشرعية من لبنان وإليه، ودعم المجتمعات اللبنانية ذات الحاجة، وفي الوقت ذاته تخصيص جزء من الدعم لتحفيز العودة الطوعية للنازحين السوريين.

مجدداً أرحب بضيوفنا الكرام وبإذن الله سيكون تعاوننا دائماً ومستمراً لما فيه نهضة بلداننا وأمنها واستقرارها ورفاهية شعوبها.

رئيسة المفوضية الأوروبية

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية في كلمتها: دولة الرئيس نجيب ميقاتي، أشكركم على الترحيب بالرئيس خريستودوليدس وبي هنا اليوم في بيروت.

لبنان بلد جميل ومتنوع ونابض بالحياة، مليء بالطاقة والإمكانات. إلا أنّه يواجه تحديات كبيرة محلياً، ونتيجة للتوترات والحرب في المنطقة. إنّنا نتفهم ذلك، ونحن هنا أولاً وقبل كل شيء لنقول إنَّ الاتحاد الأوروبي يدعم لبنان وشعبه بقوة. ونريد أن نستكشف سبل تعزيز تعاوننا. وكانت هذه أيضاً الرسالة الواضحة للقادة الأوروبيين في قمتنا الأخيرة. واليوم نحن هنا، بروحية عمل أوروبية موحدة، لنعيد تأكيد هذه الرسالة.

ناقشنا اليوم كيفية تعزيز علاقاتنا السياسية والإقتصادية، ودعم أمن لبنان واستقراره.

وللتأكيد على دعمنا، أودُّ أن أعلن عن حزمة مالية بقيمة مليار يورو للبنان، ستكون متاحة اعتباراً من السنة الجارية وحتى عام 2027. ونحن نريد أن نساهم في الإستقرار الإجتماعي والإقتصادي في لبنان.

أولاً، من خلال تعزيز الخدمات الأساسية مثل التعليم والحماية الإجتماعية والصحة للشعب اللبناني.

ثانياً، سنواكبكم في المضي قدماً بالإصلاحات الإقتصادية والمالية والمصرفية. وهذه الإصلاحات أساسية لتحسين الوضع الإقتصادي العام للبلاد في المدى الطويل. ومن شأن ذلك أن يسمح لبيئة الأعمال والقطاع المصرفي باستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتالياً تمكين القطاع الخاص من الإستثمار. إنَّ لبنان في حاجة إلى قوة دفع اقتصادية إيجابية لإتاحة الفرص لشركاته ومواطنيه.

ثالثاً، الأمن والإستقرار هما أيضاً أساسيان للإستثمار. وسندعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى. وسيركز هذا البرنامج أساساً على توفير المعدات والتدريب لإدارة الحدود. إلى ذلك، سيكون من المفيد جداً للبنان أن يبرم ترتيبات عمل مع الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، خصوصاً بشأن تبادل المعلومات والوعي بالأوضاع.

رابعاً، ولمساعدتكم في إدارة الهجرة، نحن ملتزمون بإبقاء المسارات القانونية مفتوحة إلى أوروبا، وإعادة توطين اللاجئين من لبنان إلى الإتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه، نعوِّل على حُسن تعاونكم لمنع الهجرة غير الشرعية ومكافحة تهريب المهاجرين.

أخيراً، نتفهم التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة اللاجئين السوريين ونازحين آخرين. ومن الأساسي ضمان رفاه اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة. فمنذ عام 2011، دعم الإتحاد الأوروبي لبنان بمبلغ 2.6 مليار يورو – ليس فقط للاجئين السوريين، وإنما أيضاً للمجتمعات المضيفة، وسنستمر في دعمكم.

إلى ذلك، سننظر في كيفية جعل مساعدة الإتحاد الأوروبي أكثر فاعلية. ويشمل ذلك استكشاف كيفية العمل على نهج أكثر تنظيماً للعودة الطوعية إلى سوريا، بالتعاون الوثيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. في الوقت نفسه، ثمة حاجة إلى تعزيز الدعم من الأسرة الدولية لبرامج الإغاثة الإنسانية والتعافي المبكر في سوريا.

أودُّ أن أختم كلمتي بالتركيز على النزاع في غزة وتأثيره على لبنان. إنّنا نؤيد تأييداً تاماً جميع الجهود الرامية إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإطلاق سراح جميع الرهائن. وقد زدنا للتو مساعداتنا الإنسانية المكثفة لغزّة. ففي نهاية المطاف، نحن بحاجة إلى عملية سلام تقود نحو حل الدولتين. إنّه الحل الوحيد الذي يمكن أن يحقق السلام والإستقرار الدائمين في الشرق الأوسط.

في غضون ذلك، يجب أن نواصل العمل من أجل تخفيف حدة النزاع. فنحن نشعر بقلق بالغ إزاء الوضع المتقلّب في جنوب لبنان. فما هو على المحك هو أمن كلٍّ من لبنان وإسرائيل، ولا يمكن فصل الإثنين عن بعضهما.

لذلك ندعو إلى التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701. ويجب أن يشكل هذا جزءاً من تسوية دبلوماسية مُتفاوَض عليها. وهنا أيضاً، الجيش اللبناني أساسي، والإتحاد الأوروبي مستعد للعمل على كيفية تعزيز قدراته.

دولة الرئيس،

في الختام، اسمحوا لي أن أؤكد لكم أنَّه يمكنكم الإعتماد على دعم الإتحاد الأوروبي المستمر للبنان وشعبه. إنَّ الروابط بين لبنان وأوروبا عميقة وقوية. وهذه الروابط هي التي ستستمر في دفع تعاوننا.

رئيس قبرص

وقال رئيس جمهورية قبرص نيكوس خريستودوليدس في كلمته: نشكر الرئيس ميقاتي على حسن الإستقبال الذي يتميز به لبنان، لبنان وقبرص جاران قريبان ونتشاطر علاقات ثنائية حارة وحميمة، وأنا أشعر وكأنني في بلدي، ويشرفني أن أكون جزءًا من هذا اليوم التاريخي لأنه يوم تاريخي بالفعل، وأشعر بسرور كبير أنه بعد إجراء مشاورات ذات صلة، أن أكون هناك مع الرئيسة فندرلاين وأن نعلن عن حزمة شاملة للبنان وللشعب اللبناني، لقد ذكرت رئيسة المفوضية أن الحزمة تتضمن مساعدات للشعب اللبناني وللجيش اللبناني والأجهزة اللبنانية، وأيضاً لمكافحة التهريب وإدارة الحدود ومراقبتها وللإقتصاد اللبناني وغير ذلك، أنا على ثقة بأن هذه الحزمة التي نعلنها اليوم سوف تعزز قدرة السلطات اللبنانية على مواجهة التحديات المختلفة، بما في ذلك مراقبة الحدود البرية والبحرية وضمان سلامة المواطنين، وأيضاً مكافحة تهريب الأشخاص ومتابعة مكافحة الإرهاب.

أضاف: أود أن أشكر العزيزة أرسولا على قيادتك، وإن استشرافك وعملك الحاسم كانا أساسيين لضمان ترجمة هذه الحزمة على أرض الواقع وعلى الإعلان عنها بسرعة، لأن التطورات في منطقتنا تحتم على الإتحاد الأوروبي الإستجابة في وقت حساس جداً، دعوني أكون واضحاً أن الزيارة اليوم والإعلان ليسا مهمين فقط من ناحية المحتوى بل إنهما مهمان أيضاً لناحية الرمزية، فاليوم إن الرئيسة أرسولا هي أول رئيسة للمفوضية تزور لبنان، إذاً هناك رمزية لهذه الزيارة، وهي أن الإتحاد الأوروبي حاضر بفاعلية وسوف يستمر بحضوره ودعمه للبنان، واليوم نحن نأخذ خطوة بالغة الأهمية لنجعل لبنان أقوى، كما أننا نتخذ خطوة مهمة من أجل أن نعزّز الروابط أكثر بين الإتحاد الأوروبي ولبنان حتى نتمكن من معالجة المشاكل بشكل أفضل للتحديات المشتركة. إن قبرص وأنا شخصياً كنت من أقوى الداعمين لتعزيز العلاقات بين الإتحاد الأوروبي ولبنان، واليوم يسرني ويسعدني أن نكون ماضين قدماً في هذا الإتجاه".

نظرنا الى قربنا الجغرافي فقد استغرقت الرحلة 25 دقيقة، إن قبرص تفهم بشكل عميق المشاكل والتحديات التي يواجهها لبنان، فتداعيات هذه التحديات والمشكلات تؤثر على قبرص مباشرة وكذلك على الاتحاد الأوروبي. إن النزاع الطويل في سوريا له آثار سلبية متزايدة على لبنان وشعبه، وفي حين بأننا نشيد بالحكومة اللبنانية لاستضافة عدد كبير من اللاجئين السوريين منذ أكثر من 12عاماً فإننا أيضاً وفي الوقت نفسه ندرك تماماً التحديات الكبيرة والضخمة التي يرتبها هذا الوجود على الإقتصاد والمجتمع، وأود أن أؤكد لكم أن جهود لبنان لا تؤخذ كأنها تحصيل حاصل، وأريد أن أؤكد أيضاً أنه لا يمكننا أن نستمر في العمل وكأن كل شيء على ما يرام، إن هذه المسألة والمشكلة طويلة ويجب معالجتها بشكل فعال وحاسم وشامل، دعوني أن أكون واضحاً. إن الوضع الحالي ليس مستداماً للبنان ولقبرص وللإتحاد الأوروبي، ولم يكن مستداماً لسنوات ولكن التطورات خلال الأشهر الأخيرة أجبرتنا على السعي الى حلول فورية، وأوافق تماماً أنه يجب علينا أن نعمل بشكل أوثق وبشكل أكثر موسع مع شركائنا ومع مفوضية اللاجئين، لكي نناقش مسألة العودة الطوعية، ولكن ليس فقط ذلك، فإن الوضع في بعض المناطق في سوريا يجب إعادة النظر فيه، أنا أكرر أن هذا اليوم هو يوم تاريخي. من المهم أيضاً أن نقر أن الوضعية الحالية لا يمكن أن تكون مستدامة، وبأن السلام والإزدهار والإستقرار في لبنان سيتحقق إن وفينا بالتزاماتنا جميعاً. وأشدد في هذا السياق على أهمية العمل بشكل فعال لنعيد إطلاق النقاشات من أجل التوصل إلى خلاصات أولويات الشراكة بين الإتحاد الأوروبي ولبنان، وأيضاً تسهيل التعاون على المستويين التشغيلي والفني بين لبنان ووكالة "فرونتسك"، وأيضاً تنفيذ الإصلاحات الضرورية والعميقة بما يتلاءم مع مطالبات صندوق النقد الدولي، وأيضاً لمعالجة المسائل المتعلقة بالمساءلة، والأهم أننا في قبرص سنستمر في أن نكون داعمين لجهود لبنان. فقبرص ستدعم جهود لبنان من أجل انتخاب رئيس جديد، وهذا التطور سيشكل رسالة قوية سياسية ورمزية للتغيير وللمضي قدماً، وأنا متأكد بأن لبنان سيقوم بما عليه ونحن سنقوم بما علينا.

إن لبنان أكثر سلاماً واستقراراً وأكثر ازدهاراً أساسي لكل منطقة شرق المتوسط والجوار القريب والإتحاد الأوروبي نفسه. وأنا مؤمن كثيراً بلبنان، وقد زرته الكثير من المرات عندما كنت وزيراً للخارجية والآن كرئيس للجمهورية، وأنا أؤمن تمام الإيمان بلبنان وبالقدرة التي لا حدود لها لشعبه. فللبنان وقبرص علاقات تاريخية وقد دعما بعضهما البعض في تجاوز الصعوبات والإضطرابات في منطقتنا، وأنا متأكد بأننا سنفعل ذلك مجدداً معاً.

يعود إلينا جميعاً أن نجعل هذه بداية جديدة مليئة بالأمل وواعدة للبنان وأنا متأكد بأنها ستكون حاسمة لمستقبل أفضل للبنان والإتحاد الأوروبي، ويمكنكم الإعتماد علينا وعلى أورسولا وعلى الجيران.

الرئيس ميقاتي: همّنا الأساسي الإبقاء على هيكل هذه الدولة ومنع حصول أي تصدّع إضافي

رأس رئيس الحكومة نجيب ميقاتي جلسة لمجلس الوزراء في السرايا اليوم، شارك فيها نائب رئيس مجلس الوزراء سعاده الشامي، ووزراء: التربية والتعليم العالي القاضي عباس الحلبي، الإعلام زياد مكاري، الشباب والرياضة جورج كلاس، المال يوسف خليل، الدولة لشؤون التنمية الإدارية نجلا رياشي، الصناعة جورج بوشكيان، الإتصالات جوني القرم، السياحة وليد نصار، الداخلية والبلديات القاضي بسام مولوي، الصحة فراس أبيض، الثقافة القاضي محمد وسام مرتضى، البيئة ناصر ياسين، العمل مصطفى بيرم، الزراعة عباس الحاج حسن. الأشغال العامة والنقل علي حمية والإقتصاد أمين سلام.

كما شارك المدير العام لرئاسة الجمهورية الدكتور أنطوان شقير، والأمين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية.

المقررات

في ختام الجلسة أذاع وزير الإعلام زياد مكاري المقررات فقال: في بداية جلسة مجلس الوزراء تحدث رئيس الحكومة فقال: "كم جميل أن تلتقي كل الطوائف اللبنانية في زمن صوم واحد، نرتقي فيه جميعاً إلى قيم الخير والمحبة والتسامح. هذا هو لبنان، وكلنا مسؤولون عن هذه الصورة الحضارية وإعادة النهوض بالصيغة اللبنانية وعدم السماح بإضعافها. وإن شاء الله سننجح باستمرار في هذا الموضوع".

أضاف: نشهد حالياً تحركاً لكتلة الإعتدال و"اللجنة الخماسية"، وبمثل ما نقدّر اهتمام اللجنة الخماسية من السفراء وأصدقاء لبنان بالحرص على إنجاز الإستحقاق الدستوري وبإنتخاب رئيس للجمهورية، فإني أؤكد باسمي وباسم مجلس الوزراء وجوب الإسراع بإستكمال عقد المؤسسات الدستورية. المسؤولية الأولى والأساسية في هذا الإستحقاق تبقى علينا نحن اللبنانيين ولا يجوز أن تعيق الخلافات الداخلية أولوية العمل على اكتمال عقد المؤسسات الدستورية بانتخاب رئيس جديد للبنان.

وأعلن دولة الرئيس: بالأمس تابعت أحدهم يتحدث عن قانون هيكلة المصارف والقوانين الإصلاحية، فأجاب أن الموضوع سهل عملياً ولكن صعوبته هي في السياسة.

الأزمة السياسية هي التي  تنعكس سلباً على الإقتصاد والإستقرار الإقتصادي والإجتماعي المطلوب. ونحن في الحكومة همّنا الأساسي الإبقاء على هيكل هذه الدولة ومنع حصول أي تصدّع إضافي في بنيته الى أن يتحقق الوفاق السياسي الذي يتيح إجراء الإصلاحات المناسبة. نحن على استعداد للقيام بالإصلاحات المطلوبة، ولكن المشكلة أن هناك تيارات سياسية عدة في البلد، منها من يريد انهيار الدولة بشكل كلي، وبعضها ربما يسعى للمساعدة في إعادة بناء الدولة والبعض الآخر يسعى للحفاظ على الدولة ومؤسساتها.

وقال: "انشغالاتنا الداخلية، لا تنسينا أهوال الحرب على غزة والإعتداءات الإسرائيلية على الجنوب وسقوط الشهداء و تدمير البلدات  والمنازل وحرق المحاصيل وتهجير الأهالي. وسنظل نعمل للإتفاق على هدنة وإيقاف حرب التدمير والإبادة وعودة أبناء الجنوب الى بلداتهم وقراهم رغم كل ما يحصل. وإننا على ثقة بأن الهدنة التي يجري العمل عليها في غزة ورغم نبرة التهديدات العالية التي تطلقها إسرائيل، ستشمل دول المنطقة ونشهد استقراراً طويل الأمد".

وأضاف: وحدتنا هي بقوتنا. ودعوتي للقيادات والمرجعيات و الكتل والأحزاب، لأن تتبصّر بما كان عليه لبنان من ازدهار وتقدّم ، وما نحن عليه اليوم، وأن نضع أيادينا معاً لإنقاذ بلدنا والإرتقاء به من جديد، رغم كل الظروف والتحديات التي تواجهنا.

وتابع وزير الإعلام: في خلال الجلسة، ولدى طرح البند المتعلق بطلب وزارة المالية البت في الخلاف الحاصل في المجلس الأعلى للجمارك بشأن تعيين الخفراء الناجحين في المباراة التي أجريت للتطويع لصالح الضابطة الجمركية، تحدث رئيس الحكومة فقال: "لا أسمح بنقل الخلاف الذي حصل في المجلس الأعلى للجمارك الى مستوى الوزراء. كما لا أسمح باستغلال هذا الموضوع من أي طرف كان أو أي تيار سياسي بلغة شعبوية سعياً لتحقيق مكاسب وتسجيل النقاط.

إنني الأحرص على معالجة هذا الموضوع من منطلق الحرص على الجميع، وعلى الوحدة الوطنية، وتجنّباً لحصول أي خلاف على أي مستوى داخل مجلس الوزراء، خاصة أن الموضوع له خلفيات طائفية، طلبت المزيد من الدرس مع التأكيد على قرار مجلس الوزراء السابق. وأدعو الجميع الى مقاربة الملف بموضوعية بعيداً عن الإستغلال الطائفي البغيض".

أسئلة وأجوبة

ورداً على سؤال عن اتهام النائب جبران باسيل الوزراء المسيحيين ووزراء حزب الله وحركة أمل بضرب الأعراف في حكومة غير الشرعية في حال أقر ملف الخفراء في الجمارك، أجاب مكاري: عندما تكون الحكومة غير شرعية وإذا كان يراها باسيل كذلك، فعليه ألا يرسل بنوداً خاصة بوزرائه لكي يقرها مجلس الوزراء. يستطيع أن يشارك فيكون  ذلك أفضل في ظل هذه الظروف وعلى "التيار الوطني الحر" أن يشارك في الحكومة، لأن عدم المشاركة قلة مسؤولية".

ورداً على سؤال عن الطوابع المالية قال: كلف مجلس الوزراء وزير المالية بإعداد دراسة حول هذا الموضوع.

وزير الزراعة

وتحدث وزير الزراعة عباس الحاج حسن فقال: "وضعت مجلس الوزراء اليوم في آخر الإحصاءات التي نقوم بها كوزارة زراعة في ما خص الإعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان وعلى كل لبنان، أكان على صعيد الثروة الحرجية والنباتية والحيوانية. كما وضعت المجلس في مسألة الأمن الغذائي وتحديداً من بوابة القمح وتخزين القمح، وأتحدث عن الشق المختص بوزارة الزراعة. كانت لي زيارة الى الأردن وشاهدت كيفية تخزين القمح أفقياً، هذه العملية وضعتها أمام مجلس الوزراء حتى يصار الى أخذ رأي والبت بها لأنها غير مكلفة ونحتاجها لتخزين محاصيلنا الغذائية، وهنا أتحدث كوزارة زراعة بعيداً عن القمح المعد للطحين والمستورد الذي هو من اختصاص وزارتي الإقتصاد والأشغال العامة والنقل".

وأضاف: أعليت الصوت مجدداً في ما خص مأموري الأحراش، وقد مضت سبع سنوات ونحن ننتظر هذا الملف الأساسي والمركزي، لأن غاباتنا تتعرض للقطع الجائر، وكانت هناك جلسة مع دولة الرئيس ميقاتي الأسبوع الماضي في ما خص هذا الملف، لوضع آلية توائم بين حاجات الناس وحاجتنا الى غاباتنا وأشجارنا المثمرة وغير المثمرة. ولقد وضعت الحكومة في خطة وزارة الزراعة ليكون لدينا العام المقبل نحو 2 مليون غرسة من إنتاج مشاتلنا، وهذا الأمر يحتاج الى الدعم من الحكومة اللبنانية ووعدنا بهذا الأمر وهو على السكة الصحيحة.

ووضعت مجلس الوزراء في القرار الذي اتخذ في وزارة الزراعة في ما خص اللجنة الوطنية للفوسفور الأبيض، لأن العدو الإسرائيلي كما تعلمون يقصف أراضينا بالفوسفور الأبيض، ونحن مواكبة لهذا الأمر،  وحرصاً منا عليه تم إنشاء  لجنة من وزارة الزراعة ومعهد البحوث العلمية الزراعية وسائر  الوزارات والجيش اللبناني.

وأشار الوزير الحاج حسن الى الحاجة إلى التضامن الوطني والوحدة الوطنية في كل الملفات السياسية والإقتصادية والملف الزراعي.

وزير الأشغال

وتحدث وزير الأشغال العامة والنقل علي حمية فقال: "أخيراً وبعد طول انتظار بالنسبة إلى نفق شكا الذي أصابه الإنهيار والذي تم اتخاذ قرار في العام 2019 لصيانته، وهذا لم يحصل نتيجة تدهور قيمة العملة الوطنية، لذلك، وبناء على ما تقرر في  مجلس الوزراء ستقوم وزارة الأشغال العامة والنقل بتمويل المشروع بالكامل من المبالغ المتوفرة لصيانة الطرق، وسنقوم بتحويل الأموال الى الهيئة العليا للإغاثة، وإن شاء الله تبدأ الأعمال الأسبوع المقبل لمعالجة الإنهيار في النفق.

أما بالنسبة الى مطار رفيق الحريري في بيروت فهناك تشويش على كامل الأجواء في شرق المتوسط ومن ضمنها الأجواء فوق مطار الرئيس رفيق الحريري في  بيروت، وتم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء بإرسال شكوى بشأن هذا الموضوع الى الأمم المتحدة. كما تم اليوم إقرار اعتماد مالي للجيش اللبناني لمؤازرة المديرية العامة للطيران المدني بالنسبة للمراقبين الجويين، وسيتم تزويد الملاحة الجوية بنحو 15 ضابطا من الجيش اللبناني وتم تأمين التمويل اللازم له.

كلاس

واعتبر وزير الشباب والرياضة جورج كلّاس أنه يحتكم إلى ضميره ومسؤوليته الوطنية في مقاربة و معالجة أي قضية يتم طرحها، وأن مواقفه تأتي في نطاق احترام العيش التفاعلي الذي تتكامل معه قيم الجماعات.

وشدد كلاس على أهمية الشباب في دعم مستقبل الوطن، ودعاهم إلى الإنخراط في القطاعات الإدارية والعسكرية، لأن لبنان الغد هو لهم وهم مؤتمنون على الحفاظ على صورة الوطن و كيانيته.

الرئيس ميقاتي: جعل منطقتنا مكاناً للسلام يتطلب وقف العدوان الإسرائيلي وإلزام إسرائيل تطبيق القرارات الدولية

ألقى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كلمة في "المنتدى العربي للتنمية المستدامة" بيت الأمم المتحدة - الاسكوا، جاء فيها:

يسعدني أن أكون بينكم اليوم لمناسبة انعقاد "المنتدى العربي للتنمية المستدامة"، الذي يحمل هذا العام شعار "العمل من أجل الاستدامة والسلام".

ويسرني بداية أن أجدد اعتزازنا بأن يحتضن لبنان منظمة الإسكوا، وأحيي الدكتورة رولا دشتي الأمينة التنفيذيّة للإسكوا، على ما تبذله من جهود بناءة على رأس هذه اللجنة لدعم جهود التنمية في بلداننا عموماً ولبنان خصوصاً.

إن وجود الإسكوا في لبنان، كما سائر منظمات الأمم المتحدة، والتعاون القائم بينها وبين الحكومة اللبنانية ومختلف المؤسسات ذات الصلة، يؤكد مجدداً أن لبنان كان وسيبقى، بإذن الله، نموذجاً للديموقراطية والحرية والإنفتاح والإعتدال والعيش المشترَك وحوار الأديان والثقافات، وبالدرجة الأولى سيبقى منطلقاً للرؤى التنموية والخطط المستقبلية، مهما واجه من أزمات ومصاعب وحروب.

إن لبنان، لكونه جزءًا من هذه المنطقة، يقف أمام تحديات كبيرة، ولكننا واثقون من قدرتنا على الوقوف معاً وتحقيق التنمية المستدامة والسلام في المنطقة.


نحن نشجع كل الأطراف على التعاون والعمل المشترك، من أجل تحقيق هذه الأهداف النبيلة. فالتغييرات المصيرية التي تمر بها منطقتنا العربية هي خير دليل على إرتباط العدالة الإجتماعية بمفهوم التنمية المستدامة والمتوازنة، لأنه، إذا عجزت السياسات والبرامج الإنمائية عن إدماج قضايا ومتطلبات الشعوب المعيشية والثقافية والإنسانية، لا يمكن الحصول على تنمية عادلة ومستدامة. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية موضوع توفير التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في تنمية القطاع الخاص، مما يعزز النمو المستدام والشامل للجميع ويلعب دوراً مباشراً في توفير فرص العمل التي نحن في حاجة ماسة إليها في منطقتنا.

إن عملنا معًا من أجل بناء مستقبل أفضل لأجيالنا الحالية والمستقبلية، ولنجعل من منطقتنا مكاناً للسلام والازدهار، يتطلب أولاً وبكل وضوح وقف العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان وغزة، والإنطلاق نحو الخيار السلمي وإلزام إسرائيل بتطبيق القرارات الدولية ولا سيما القرار1701، وكل القرارات المتعلقة بلبنان والإنسحاب من كل الأراضي اللبنانية التي لا تزال محتلة.

هذا الواقع يشكل ضغطاً كبيراً على لبنان، ويقتضي رفع الصوت لمطالبة المجتمع الدولي بوقف ما يحصل وردع العدو الإسرائيلي، والعمل على توفير الحلول السلمية لمشكلات المنطقة، وأولها وأبرزها القضية الفلسطينية، التي لم تنطفئ شعلتها رغم كل ما تفعله إسرائيل لطمسها قتلاً وتدميراً وإبادة.

تقدّم لبنان في الأسبوع الماضي بالوثيقة النهائية لمسار التحوّل في النظام الغذائي الوطني لمركز الأمم المتحدة لتنسيق النظم الغذائية، وذلك للمرة الأولى في تاريخه، وقد أنجز خلال فترة  قياسية. تشكل هذه الوثيقة رؤية حية ترسم مسار تحوّل النظم الغدائية في لبنان، وتشكل أرضية للتشبيك بين مختلف القطاعات المعنية، وهي أداة تنفيذية لأجندة التنمية المستدامة. وفي مسار موازي تقدمت النائب الدكتور عناية عز الدين باقتراح قانون الحق في الغذاء، الذي يرمي إلى ضمان وحماية حق الوصول إلى الغذاء، الذي يساهم في تحقيق العدالة الإجتماعية وتوفير فرص متساوية للجميع للوصول إلى الغذاء الكافي والصحي لجميع الأفراد من دون تمييز، كما يساهم في وضع أسس تشريعية لتسريع تنفيذ أجندة التنمية المستدامة.

ختاماً أقول، أشكركم جميعاً على حضوركم، وأتمنى لإجتماعكم كل النجاح والتوفيق، وللضيوف الكرام طيب الإقامة في لبنان، والسلام عليكم.

الرئيس ميقاتي يدعو الى عودة الجميع الى طاولة مجلس الوزراء من دون تشنجات أو حملات

أكد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي "أن من يقصي نفسه ويغيّب حضوره لا يمكن له أن يحمّل المسؤولية لمن يقوم بتسيير شؤون الوطن والعباد"، داعياً "الجميع للعودة الى طاولة مجلس الوزراء من دون تشنجات أو حملات ولتطرح كل المواضيع للنقاش العلمي الهادئ بعيداً عن الحملات السياسية والمواقف التي لا تفيد وملّها الناس لكثرة تردادها بطلاناً وزوراً".

وكان رئيس الحكومة يتحدث في خلال رعايته إطلاق "الخطة الإستراتيجية للحماية الإجتماعية في لبنان" اليوم في السرايا، في حضور وزراء الشؤون الإجتماعية هكتور حجار، العدل هنري خوري، الإقتصاد والتجارة أمين سلام، الزراعة عباس الحاج حسن، الصحة فراس الأبيض، الإتصالات جوني القرم، المال يوسف خليل، التربية والتعليم العالي القاضي عباس الحلبي، والنواب فريد البستاني، هاغوب بقرادونيان، عناية عزالدين، بلال عبد الله، وإبراهيم الموسوي، سفيرة الإتحاد الأوروبي ساندرا دي ول، سفير هولندا هانس بيتر فاندر وود، النروج مارتن يترفيك، سلطنة عمان أحمد محمد السعيدي، المنسق المقيم للأمم المتحدة في لبنان عمران ريزا، ممثل اليونيسف إدوارد بيجبيدر، المسؤولة الإقليمية لمنظمة العمل رولا جردات، وشخصيات.

كلمة الرئيس ميقاتي

وقال كلمة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي: في خضم التطورات التي نعيشها وأخطرها ما يحصل في جنوب لبنان من انتهاكات صارخة لسيادة البلد وعدوان على أهله وأرضه، يجد البعض الفرصة متاحة له ليفتعل سجالات عقيمة تأخذ البلاد الى متاهات في غنى عنها، لا سيما عبر اتهامنا اتهامات باطلة. وفي هذا المجال أعود وأكرر أن من يقصي نفسه ويغيّب حضوره لا يمكن له أن يحمّل المسؤولية لمن يقوم بتسيير شؤون الوطن والعباد.

وفي حضور معالي الوزراء اليوم ومعظمهم هنا، أكرر دعوة الجميع الى العودة للتعاون كما حصل اليوم في هذه الإستراتيجية لما فيه رفاهية المواطن. فلتكن المرحلة المقبلة للتعاون بعيداً عن السلبية المطلقة وعودة الجميع الى طاولة مجلس الوزراء من دون تشنجات أو حملات، ولتطرح كل المواضيع للنقاش العلمي الهادئ بعيداً عن الحملات السياسية والمواقف التي لا تفيد وملّها الناس لكثرة تردادها بطلاناً وزوراً.

وعن المناسبة قال: يسعدنا أن نلتقي اليوم هنا في السرايا، لإطلاق الخطة الإستراتيجية للحماية الإجتماعية في لبنان، ولا بد من التنويه بداية بالجهود التي تبذلها المنظمات الدولية العاملة في لبنان لإنجاز هذا المشروع بالتعاون والتنسيق مع وزارة الشؤون الإجتماعية ومختلف الهيئات الرسمية اللبنانية. في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها لبنان، سياسياً وأمنياً وإقتصادياً، يبدو الحديث عن خطة استراتيجية للحماية الإجتماعية أمراً غير واقعي في البداية. ولكن في الحقيقة، فإن هذه الأوضاع تتطلب منا إبتكار حلول إستثنائية لحماية الفئات الإجتماعية المهمشة والمحتاجة والحفاظ على الطبقة الوسطى التي تشكل الوازن الفعلي داخل المجتمع. ولذلك، تعمل الحكومة بالتعاون مع المؤسسات الدولية على وضع خطة إستراتيجية للحماية الإجتماعية في لبنان. وقد شكل هذا الموضوع هدفاً أساسياً من الأهداف التي سعينا لتحقيقها على مدى أكثر من عامين من تولّينا المسؤولية. وبعد جهود مضنية من الوزارات المختصة، بصورة أساسية وزارة الشؤون الإجتماعية، بالتنسيق مع المؤسسات الدولية المعنية، توصلنا الى وضع العناوين الرئيسية لهذه الخطة والسبل الى تنفيذها وترجمتها على أرض الواقع.

أضاف: إسمحوا لي أيها الحضور الكريم أن أقول لكم إن هاجسنا في هذه الخطة لم يكن العمل على جعلها مشروعاً لطلب المساعدة من الجهات المانحة، بل لتحويلها الى قوة دفع لتأمين فرص عمل لأوسع شريحة إجتماعية، لأن في ذلك إطلاقاً لعجلة الإنتاج على المستوى الوطني وتخفيفاً لأعباء الحماية الإجتماعية عن كاهل الدولة المثقل بالكثير من الأمور. وقد حرصنا في تحديد الجهات المستهدفة من هذه الخطة بأن تكون فقط لبنانية، أما الجهات غير اللبنانية التي تحتاج للحماية الإجتماعية من اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين فتتولى أمرهم الجهات الدولية المعنية بشؤونهم.

الوزير حجار

وقال وزير الشؤون الإجتماعية هكتور حجار في كلمته: لقاء اليوم، هو لقاء البداية، البداية نحو إعلان إلتزام الدولة اللبنانية بكافة أجهزتها الحكومية بإتخاذ الإجراءات الضرورية والكفيلة بتنفيذ جميع مكونات الإستراتيجية، وتخصيصها ضمن الموازنات، لقاء اليوم، هو إعلان لتعهد شخصي كوزير للشؤون الإجتماعية أن أرفع الصوت عالياً في جميع المحافل - ولا سيما في المجلس النيابي - دعوةً لتطبيق كافة مندرجات الإستراتيجية، لقاء اليوم، هو للإصرارعلى كسر جميع الحواجز والعوائق التي تحول دون النهوض بمكونات الدولة وتحديداً المكّون الإجتماعي، بهدف تدعيم البنى والهياكل الإجتماعية لصالح الفئات الأكثر تهميشاً، ولتحسين نوعية  الحياة وصولاً الى العيش اللائق بالمواطن اللبناني الذي يستحق منا كل سبل الدعم والمساندة.

وقال: نفتخر اليوم، أننا كوزارة شؤون اجتماعية، سعينا من قبل وعملنا على تضمين توجهات ورؤية هذه الإستراتيجية في البرامج والأنشطة التي نعمل عليها،  وقد تجلى هذا السعي من خلال العمل على دمج برنامج دعم الأسر الأكثر فقراَ( NPTP ) الذي يستهدف ما يقارب 75 ألف أسرة  وبرنامج شبكات الأمان الاجتماعي (ESSN  ) الذي يضم ما يقارب 93500 أسرة في برنامج واحد وبالتالي إستهداف ما يقارب 168500 أسرة في لبنان من الفئات الأكثر حاجة، مروراً ببرنامج منحة ذوي الإعاقة، وصولاً الى الغاية الأسمى من عملية الدمج هذه، وهو السجل الإجتماعي الموحد لجميع المواطنين. ومن هذا المنبر، نثمّن إلتزام الدولة اللبنانية بالمشاركة بتمويل برامج الدعم الإجتماعي وقد خصصت موازنة العام 2024 هذه المشاريع بمبلغ 600 مليار ليرة لبنانية.

وقال: لأننا كوزارة نسعى دائماً الى تطوير وتحسين البرامج والخدمات التي نقدمها الى الفئات الإجتماعية كافة، وفي سياق منسجم أيضاً مع روحية الإستراتيجية الوطنية للحماية الإجتماعية، نجري حالياً ورشة إصلاحية لإعادة صياغة رؤية جديدة للوزارة في ما خص خدمات رعاية الأطفال والنساء وسائر أفراد الأسرة بالتعاون مع منظمة اليونيسف. واليوم نقول، إن هذه الإستراتيجية ما كانت لتبصر النور لولا الجهود الجبارة التي بذلت من جميع الشركاء وعلى رأسهم الحكومة ممثلة بوزرائها المعنيين كل حسب إختصاصه، كما المنظمات الدولية وأخص بالذكر منظمة اليونيسف في لبنان ومنظمة العمل الدولية، حيث التعاون الإيجابي مع وزارة الشؤون الإجتماعية وكافة الإدارات والوزارات المعنية بتطبيق الإستراتيجية لناحية توحيد الجهود لمراجعة ولبننة الصيغة النهائية لها لتصبح أكثر ملاءمة للواقع اللبناني. وهنا، لن ننسى دور المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في لبنان الشريك الفاعل والداعم في مسيرة بناء الدولة بحيث تكون جزءاً من هذا النظام وأن تكون المساهم الحقيقي في رفد هذا النظام وتطويره. ما يهمنا  قوله، أن وزارة الشؤون الإجتماعية من خلال قيادتها لهذا الملف حريصة ومنفتحة على كل الوزارات والمبادرات إيماناً منها بأن إستراتيجية الحماية الإجتماعية تقع على عاتق ومسؤولية الدولة اللبنانية وليس من مسؤوليات وزارة الشؤون الإجتماعية فقط .

وقال: مع إطلاق الإستراتيجية الوطنية للحماية الإجتماعية، نكون قد وضعنا أنفسنا على أولى درجات سلم النهوض بأوضاع الفئات المهمشة الى مستوى نيل أبسط حقوق الإنسان المتوجبة على الدولة اللبنانية تأمينها. لكن هذا لا يعني أننا أنجزنا العمل وقمنا بالواجب وأزحنا الحمل عن أكتافنا ورمينا المسؤولية على غيرنا. لشركائنا الدوليين نقول: تبقى العبرة في التمويل، إذ أننا لا نطمح لإنشاء مشروع استراتيجية يبقى مشروعاً ما لم يتم مدّه بالتمويل الواجب، وما لم تؤخذ معاناة الدولة اللبنانية في تأمين الحماية الإجتماعية لمواطنيها، وهي المسؤولة عن تأمين الحماية أيضاً للاجئين والنازحين من غير اللبنانيين، على محمل الجدّ والبحث العميق في إيجاد المخارج السليمة لهذه المعضلة، وإننا إذ تزداد ظروفنا سوءًا، نجد أن الدعم المالي للبنان يضعف ليضمحلّ في الوقت الذي يُفترض أن يزداد ويكبر، توافقاً مع تفاقم الحاجة وازدياد الضغط على الدولة اللبنانية.

وقال: المعركة الحقيقية بدأت اليوم للحفاظ على أدنى هذه المكتسبات، فلا رجوع الى الوراء، ولا عودة الى نظام إجتماعي مجتزأ وفُتات تقديمات دون أساس منهجي، بل نحو مأسسة نظام مستدام للحماية الإجتماعية قائم على الحقوق وقادر على الإستجابة للصدمات، يحقق الإدماج الإجتماعي ويحد من إنعدام المساواة، ويعزز الإنتقال الآمن للفئات الضعيفة في مختلف مراحل دورة الحياة، ويبقى الأهم هو إعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة وتعزيز دورها  في إدارة شؤون مواطنيها وتحقيق العدالة الإجتماعية. العالم بأسره يفسح الطريق أمام الشخص الذي يعرف ماذا يريد ويفعل ما يضمن وصوله لهدفه.

ممثل اليونيسف

واعتبر ممثل اليونيسف إدوارد بيجبيدر أن هذه الإستراتيجية هي حجر الأساس في عملية الإصلاح وإلتزام صلب تجاه الإصلاحات الاجتماعية، وهي لم تكن ممكنة لولا إلتزام الجهات المانحة بحماية ورفاه لبنان. واعتبر أنه بفضل إلتزام الحكومة تم تطوير الإستراتيجية الجديدة، لتشكل منصة صلبة للحماية الاجتماعية، لتحل محل المقاربات المجتزأة. وبعد أن عدّد محاور الإستراتيجية أشار الى أن توتر الأوضاع في الجنوب زاد الضغط على الحكومة والناس، ونحن نريد تقديم الدعم للبنان ليتمكن من امتصاص الصدمات.

جردات

أما ممثلة منظمة العمل الدولية ربى الجردات فاعتبرت أن إنجاز هذه الإستراتيجية هو إنجاز كبير وجهد وطني قادته اللجنة الوطنية بمساعدة من منظمة العمل الدولية واليونيسف وبدعم سخي من الإتحاد الأوروبي وفنلندا، وهي تشكل عقداً إجتماعياً جديداً يسمح بإنشاء نظام إجتماعي متكامل يستند على خمس ركائز، كما أنها قادرة على حشد الدعم. وأعلنت بأن الجهود ستركز في المرحلة المقبلة على تفعيل هذه الوثيقة ووضع خطط تنفيذية لها، مشيرة الى استعداد منظمة العمل لدعم ومساعدة الحكومة على تحويل هذه الوثيقة لواقع ملموس.

ريزا

أما المنسق المقيم للأمم المتحدة عمران ريزا، فاعتبر أن إطلاق هذه الوثيقة هو إلتزام من لبنان بالإصلاحات الإجتماعية ومدماكاً للتعافي، وأن اعتمادها يشكل تغييراً كبيراً في صناعة القرار مع الإبتعاد عن الأنظمة المجزأة الى نظام متكامل للحماية الإجتماعية. وأثنى على عمل الحكومة على إدخال الإصلاحات في صلب الإستراتيجية وأشار إلى أنه سيدعم عملية التنفيذ بقوة.

سفير هولندا

وأشار سفير هولندا هانس بيتر فاندر وود الى "أن هذه الإستراتيجية تؤكد حق الجميع بمعايير متساوية للعيش بكرامة والحصول على الحقوق الأساسية للحصول على الطعام والتعلم والخدمات الإجتماعية. وقال: نركز على الحماية الإجتماعية وضرورة مواءمتها مع مختلف البرامج الموجودة وهي شاملة، تقدم الحماية للبنانيين ولغير اللبنانيين المقيمين في لبنان. وأعلن أن هولندا والمجتمع الدولي يدعمان لبنان، ونقوم بذلك بالشراكة مع الحكومة اللبنانية.

سفيرة الإتحاد الأوروبي

واعتبرت سفيرة الإتحاد الأوروبي ساندرا دو وال أن اعتماد الإستراتيجية أمر مهم لاستقرار لبنان ولتماسكه الاجتماعي، ومن دونها لا يمكن إيجاد الحلول لكثير من الأزمات. وأن اعتمادها مؤشر على أنه عندما تكون هناك إرادة نجد الوسيلة، وهذا يثبت بأنه بإمكان الحكومة إتخاذ إجراءات رغم الخلافات السياسية والمصالح المتضاربة.

وأعلنت "لقد أعجبت بالعرض الذي يظهر إلتزاماً وإنخراطاً كبيراً من الحكومة للتنفيذ، ولكن الإستراتيجية تبقى ناقصة من دون إصلاحات هيكلية". وأشارت الى دعم الإتحاد الأوروبي لهذا القطاع بمبلغ قدره 65 مليون دولار.

نشاط السرايا

وكان  رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إجتمع مع وزير الصحة فراس الأبيض في السرايا اليوم.

وقال وزير الصحة: تم البحث بمواضيع تتعلق بالصحة وبموازنة الوزارة وكيفية معالجة مواضيع الإستشفاء والدواء، وأردت أن أضع الرئيس ميقاتي في صورة الأوضاع خصوصاً وأن هذه المواضيع تحتاج إلى بعض المراسيم من مجلس الوزراء. كما بحثنا في شكل عام في تناقص الموازنات المخصصة لنا من المنظمات الأجنبية، والتي يمكن أن يكون لها انعكاس على قطاع الصحة في لبنان، مع تناقص التغطية لجزء من الناس المقيمة في لبنان، ومدى تأثيرها على الحاجات الصحية للناس، وكيفية معالجتها.

الخير

واستقبل الرئيس ميقاتي النائب أحمد الخير في حضور الأمين العام الهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير، ورئيس مجلس الإنماء والإعمار نبيل الجسر.

وبعد اللقاء أوضح خير أن الإجتماع كان لبحث المواضيع الإنمائية الخاصة بمنطقة المنية الضنية، كما جرت مراجعة بعض المشاريع الإنمائية للمنطقة.

الإسكوا

واستقبل الرئيس ميقاتي المديرة التنفيذية للإسكوا رولا دشتي وتم خلال اللقاء بحث مشاريع التعاون المشتركة.

الجامعة اللبنانية

واستقبل الرئيس ميقاتي رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور بسام بدران.

نجيب ميقاتي
إطبع

نبذة عن رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي

أتى رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي إلى السياسة من قطاع رجال الأعمال، فتولى حقيبة وزارة الأشغال العامة والنقل في ثلاث حكومات متعاقبة ما بين عامي 1998 و 2004. انتخب عام 2000 نائباً عن مدينة طرابلس حتى العام 2005، حين كلف برئاسة حكومة تشرف على الإنتخابات النيابية، فأخذ وعداً على نفسه بعدم الترشح للنيابة ضماناً لحياد حكومته التي قامت بإجراء إنتخابات ديمقراطية نزيهة في موعدها في شهر أيار/مايو من العام 2005، بإعتراف كل القوى السياسية اللبنانية والجهات الدولية المعنية. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ لبنان التي يلتزم فيها رئيس حكومة، الحياد في الإنتخابات، إلى حد تخليه عن ترشيح نفسه. ثم أعيد انتخابه عام 2009 وعام 2018 نائباً عن مدينة طرابلس حتى عام 2022.

وقد أعيد تكليفه رئيساً للوزراء في 25 كانون الثاني/يناير 2011، وصدر مرسوم بتسميته رئيساً لمجلس الوزراء في 13 حزيران/يونيو 2011، ثم قدم إستقالة حكومته في 23 آذار/مارس 2013، وتابع مهامه كرئيس لحكومة تصريف الأعمال حتى 15 شباط/فبراير 2014.

يرأس الحكومة اللبنانية الحالية منذ 10 ايلول\سبتمبر عام 2021.

ساهم الرئيس ميقاتي في أوائل الثمانينات في تأسيس شركة «INVESTCOM»  ، التي أصبحت رائدة في عالم الإتصالات في الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط وأفريقيا محققة إنجازات ونمواً غير مسبوقين في مجال عملها، وبعد أن تم إدراج أسهمها على بورصتي لندن ودبي، اندمجت عام 2006 في شركة «MTN» العالمية. وفي عام 2007 تم تأسيس مجموعة «M1 Group» التي تنشط في مجال الأعمال الاستثمارية المتنوعة.

عمل الرئيس ميقاتي بخبرته على تضييق الهوة بين القطاعين العام والخاص. وهو عضو سابق في مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، وعضو في المجلس الإستشاري لكلية هاريس في جامعة شيكاغو، بالإضافة لعضويته في المجلس الإستشاري للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات »إنترناشونل كرايسز غروب«، ورئاسة «منتدى الوسطية في لبنان» و«منتدى إستشراف الشرق الأوسط». ويشرف مع شقيقه الأكبر طه على «جمعية العزم والسعادة الإجتماعية» التي تمد نشاطاتها الخيرية والتنموية إلى مختلف المناطق اللبنانية، و«MIKATI  Foundation» التي تنشط في العالم النامي وخاصة البلاد العربية وأفريقيا.

ولد الرئيس ميقاتي عام 1955 وأكمل دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، وتابع دراسات عليا في INSEAD  في فرنسا وجامعة هارفرد في أميركا.

مقالات و مقابلات
نجيب ميقاتي رجل الإعتدال بامتياز

جريدة الديار

نترك لمجموعة المعلومات التي جمعناها عنه حول حياته وتعليمه وانشاء شركات له في قطاع الاستثمار والاتصالات والبنوك والعقارات والنقل الجوي والازياء.

ووفق مجلة فورتس الاميركية فانه يقع في المرتبة 9 عربيا لاغنياء العالم وذلك بثروة قدّرت بـ 2.8 مليار دولار مع عائلته آل ميقاتي او مجموعة ميقاتي والتي تصل ثروتها الى 9 مليارات فيما حصته 2.8 مليار دولار.

الرئيس نجيب ميقاتي الذي ورث رئاسة الحكومة بعد استقالة الرئيس عمر كرامي اثر اغتيال رئيس الوزراء الاسبق الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ادار حكومة مؤقتة قامت بادارة الدولة حتى اجراء انتخابات المجلس النيابي وقام بادارة حيادية كاملة كانت نموذجا لاجراء الانتخابات في تاريخ الانتخابات النيابية في لبنان.

كان يعمل في اليوم اكثر من 14 ساعة، ويدير كل الاعمال والمتابعة مع الوزراء، كذلك كانت فترة حكمه فترة ازدهار رغم الازمة الشديدة التي نتجت عن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

واستطاع عبر علمه وشهاداته اضافة الى خبرته في مجال الاعمال والعمران القيام بمشاريع كثيرة على مدى مساحة لبنان كلها، اضافة الى كونه زعيما كبيرا من اكبر زعماء مدينة طرابلس كان معتدلا للغاية وليس لديه اي حساسية طائفية نحو اي طائفة اخرى، بل على العكس هو جامع وقاسم مشترك للطوائف رغم انه من الطائفة السنية وهو يصوم ويصلي وما من صورة ظهرت له الا وهو يقبّل يد المرحومة والدته عندما يزورها كل اسبوع في مدينته طرابلس.

تمتع بعلاقات دولية جيدة خاصة في اوروبا، واستطاع الحصول على ثقة الاتحاد الاوروبي، كما تعاطى مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اضافة الى وزارة الخزانة الاميركية واتحاد المصارف الاوروبية، واستطاع في ايام رئاسته للحكومة جلب استثمارات عديدة الى لبنان رغم الازمة الكبرى التي كانت حاصلة في البلاد.

وعندما تولى الرئيس نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة في لبنان، قام بالالتزام بالحياد التام بالانتخابات وقرر عدم ترشيح نفسه للانتخابات النيابية، وامتدت فترة رئاسته من 19 نيسان الى 19 تموز، اما في عام 2009 وبعد خروجه من رئاسة الحكومة ترشح للانتخابات عن قضاء طرابلس واستطاع تحقيق الفوز والدخول مرة اخرى الى البرلمان اللبناني.

يتحضر الرئيس نجيب ميقاتي حاليا لخوض المعركة الانتخابية في طرابلس، وقد اصبح احدى اكبر القوى السياسية والشعبية في عاصمة الشمال، ولم يُعرف اتجاهه بعد ما اذا كان سيتحالف مع المستقبل او ضده، وكيف سيختار لائحته. الا ان الرئيس نجيب ميقاتي عبر مؤسسة العزم يقدم الخدمات الاجتماعية والانسانية الى اهالي منطقة طرابلس، اضافة الى اهالي منطقة الشمال.

كما يداوم على زيارة طرابلس كل اسبوع حيث يستقبل اهل مدينته واهالي قضاء الضنية والمنية وعكار والقلمون، اضافة الى الجمهور الكبير من العاصمة الثانية طرابلس.

ورغم كل التشنجات الطائفية التي حصلت في البلاد والانقسامات الكبيرة حيث انقسم لبنان بين 8 و14 اذار، حافظ الرئيس نجيب ميقاتي على اعتداله وبقي مستمرا في الحفاظ على ذلك حتى اليوم.

نجيب ميقاتي (24 نوفمبر 1955-)، رئيس وزراء لبنان السابق، وهو سياسي ووزير في عدة حكومات لبنانية ورجل أعمال. عين رئيسًا للوزراء للمرة الأولى من 19 أبريل 2005 إلى 19 يوليو 2005 بعد استقالة الرئيس عمر كرامي بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وكانت حكومته حكومة مؤقتة تقوم بإدارة الدولة حتى انتخاب إجراء انتخابات المجلس النيابي وذلك كي تجرى الانتخابات بإدارة حيادية. ورئيسا للوزراء مرة ثانية منذ 13 يونيو 2011 وحتى 22 آذار 2013.

عن حياته

هو محمد نجيب عزمي ميقاتي، ولد في طرابلس في شمال لبنان. تلقى تعليمه الجامعي في الجامعة الأميركية في بيروت، وتابع الدراسات عليا في «المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال» في فرنسا وجامعة هارفارد في الولايات المتحدة.

أسس بعام 1982 بمشاركة مع شقيقة الأكبر «طه» «شركة إنفستكوم«، وهو أحد الشركاء في «مجموعة ميقاتي» التي تمتلكها أسرته، والتي تنشط في قطاع الاستثمار والاتصالات والبنوك والعقار والنقل الجوي والأزياء، وقد وضعته مجلة فوربس الأمريكية في المركز ال409 عالميًا وال9 عربيًا لأغنياء العالم بعام 2011 وذلك بثروة قدرت ب2.8 مليار$.

بين عامي 1992 و1996 انتخب عضوًا في غرفة التجارة والصناعة في بيروت، كما حاز عضوية اللجنة التنفيذية لغرفة التجارة العربية ? الأمريكية، وأيضًا عضوية مجلس رجال الأعمال السوري - اللبناني. كما أنه عضو في مجلس أمانة الجامعة الأميركية في بيروت، وفي المجلس الاستشاري لكلية هاريس في جامعة شيكاغو، بالإضافة إلى عضويته في المجلس الاستشاري للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات «انترناشونال كرايسز غروب«. كما أنه يرأس منتدى استشراف الشرق الأوسط، وأيضًا منتدى الوسطية في لبنان.

في السياسة

كان دخوله إلى المجال السياسي عن طريق المنـصب الوزاري وذلك في عام 1998، وفي عام 2000 ترشح لانتخابات مجلس النواب لدورة عام 2000 عن أحد المقاعد السنية في طرابلس واستطاع تحقيق الفوز، وقد استمرت هذه الدورة لغاية عام 2005 والتي لم يترشح خلالها لدورة البرلمان الجديد بسبب تكليفه برئاسة الحكومة التي تلت استقالة حكومة الرئيس عمر كرامي بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وفشله بتشـكيل حكومة جديدة، وبعد تكليفه بتشكيل الحكومة قطع عهدًا بعدم الترشح لانتخابات عام 2005 التي ستشرف عليها حكومته، وكانت هذه المرة الأولى التي يلتزم بها رئيس حكومة في لبنان بالحياد بالانتخابات وعدم ترشيح نفسه، وكانت فترة رئاسته للحكومة من 19 أبريل إلى 19 يوليو 2005. وفي عام 2009 عاد وترشح للانتخابات عن قضاء طرابلس بالتحالف مع تيار المستقبل وحلفائه، واستطاع تحقيق الفوز والدخول مرة أخرى إلى البرلمان.

مشاركاته الوزارية بالحكومات

من 4 ديسمبر 1998 لغاية 26 أكتوبر 2000 وزيرًا للأشغال العامة ووزيرًا للنقل وذلك في حكومة الرئيس سليم الحص بعهد الرئيس إميل لحود.

من 26 أكتوبر 2000 إلى 17 أبريل 2003 وزيرًا للأشغال العامة والنقل في حكومة الرئيس رفيق الحريري بعهد الرئيس إميل لحود، وفي 17 أبريل 2003 أعيد تعيينه بنفس المنصب كوزير للأشغال العامة والنقل ذلك في حكومة جديدة شكلها الرئيس رفيق الحريري بعهد الرئيس إميل لحود. وفي 9 سبتمبر 2004 عين بالإضافة لمنصبه وزيرًا للمهجرين وذلك بعد استقالة وزيرها بسبب رفض تعديل الدستور للتجديد للرئيس إميل لحود، وظل يتولى مهام منصبه بالوزارتين لغاية 26 أكتوبر 2004.

رئاسة الحكومة للمرة الثانية واستقالته

في 25 يناير 2011 كلفه الرئيس ميشال سليمان برئاسة الحكومة وذلك بعد حصوله في الاستشارات النيابية على 68 صوت من بين 128 نائب مقابل 60 صوت للرئيس سعد الدين الحريري وذلك بعد سقوط الحكومة السابقة التي ترأسها الحريري بعد استقالة 11 وزير منها.

استقالته من الحكومة

أعلن نجيب ميقاتي استقالته يوم الجمعة، في 22 آذار2013، بسبب عدم تشكيل هيئة للإشراف على الانتخابات البرلمانية ومعارضة التمديد لمسؤول أمني بارز في منصبه.

أما اليوم فإني أُعلن استقالة الحكومة علها بإذن الله تشكل مدخلاً وحيداً لتتحمل الكتل السياسية الاساسية في لبنان مسؤوليتها وتعود إلى التلاقي من أجل إخراج لبنان من النفق المجهول.

حياته الأسرية

متزوج من مي دوماني، ولهما من الأبناء: ماهر ، ميرا ومالك.

حياته العملية

ساهم الرئيس ميقاتي في أوائل الثمانينات في تأسيس شركة INVESTCOM أو M1 Group العائلية، التي أصبحت رائدة في عالم الاتصالات في الأســـواق الناشئة في الشرق الأوسط وأفريقيا محققة إنجازات ونمو غير مسبوقين في مجال عملها. إندمجت INVESTCOM مؤخراً في شركة MTN العالمية بعد أن تم إدراج أسهم INVESTCOM على بورصتي لندن ودبي.

نجيب ميقاتي: منهجية وسطية وعروبة معقلنة

سفير الشمال - الدكتور أيمن عمر (كاتب وباحث جامعي)

منذ عقود خلت وبسبب تركيبته الديموغرافية المتنوعة الطوائف والمذاهب، شكل لبنان مرآة للصراعات والتوازنات الإقليمية والدولية، فكان عرضة للإضطرابات الأمنية والسياسية، وبقي أسيراً لهذه التوازنات، ورهينة للعبة المحاور والأحلاف.

من هنا أطل الرئيس نجيب ميقاتي كشخصية مستقلة من خارج السياق السياسي التقليدي، بعيداً عن الإصطفافات ولعبة المحاور، بتجربة سياسية جديدة عقلانية الطابع حديثة التوجه، ناهلاً العقلانية السياسية من معين المدرسة الأوروبية يوم كان طالباً فيها ويوم كانت شركاته الإستثمارية تنهل من تجارب البلدان الحديثة.

تقوم منهجية الميقاتية السياسية على المبادئ التالية:

ـ الوسطية:

طرحت الميقاتية السياسية منهج الوسطية إنطلاقاً من الإسلام كدين وسطي، وقد عقد لها الرئيس ميقاتي مؤتمرات، حتى أصبحت مفهوماً جديداً في الحياة السياسية، تقوم على رفض منطق التطرف والتشرذم، وهي ليست ذات أبعاد ودلالات مكانية وزمانية سلبية، بل هي موقف لإظهار الحق والثبات عليه.

ـ الخطاب السياسي:

يوم وقعت التطورات الكبيرة عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، شهدت البلاد حملات تعبئة إعلامية وسياسية وفكرية غلب عليها طابع التجييش والتحريض، وأفلت التجاذب من عقاله، وراح كل فريق سياسي يحرض جماهيره ويشحذها وفق قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة”.

وبالرغم من هذا كله، آثر ميقاتي الحفاظ على أسلوبه المعتدل، مهما كانت خسارته للشارع كبيرة. فظل هادئاً وعقلانياً في خطابه، ولم يتوجه إلى الناس وحاضنته الشعبية إلا بما عهدوه منه، من إعتدال على المستوى الوطني.

ـ تغليب منطق الدولة والمؤسسات الدستورية:

تعاطى ميقاتي الشأن العام بمنطق رجل الدولة الذي يتناول الأمور المتعلقة بالسلطة من زاوية العمل المؤسساتي والقانوني، فهو يعرف أصول الحياة الدستورية، وحريص في الحفاظ على المواقع الدستورية وأن يمارس كل مكوّن سياسي صلاحياته الدستورية التي أقرتها وثيقة الوفاق الوطني، دون التعدي على صلاحيات المكون الآخر، أو إضعاف موقعه الوطني، لما لذلك من إنعكاسات سلبية تزعزع أبسط قواعد العيش المشترك وتهدد الإستقرار الوطني. لذلك لا يألو الرئيس ميقاتي جهداً كي يعلن الموقف الحاسم والمفصلي في الإحتكام إلى الدستور والحفاظ على الصلاحيات الدستورية.

ـ النأي بالنفس:

مع إندلاع الأحداث في العالم العربي وخصوصاً في سوريا وانخراط بعض القوى المحلية فيها، إتخذ ميقاتي خطوة تاريخية للحفاظ على بلده من خلال المسؤوليات المنوطة به، ومن هذا المنطلق حاول ميقاتي تخطي عقبات ومفاهيم التحييد عن صراعات المنطقة عبر إطلاق مبادرة “النأي بالنفس”، وهي مبادرة مهمة بالمعنى الإيجابي، كخطوة إستباقية حيال ما تعانيه المنطقة وتحمي لبنان عموماً وطرابلس بخصوصيتها من نار المنطقة الملتهبة.

ـ وحدة البيت الداخلي:

لم يسع ميقاتي يوماً إلى استئثار واحتكار القرار السني، فمرتكزات الميقاتية السياسية هي الحفاظ على وحدة الصف السني، ووحدة القرار والتعددية في الزعامات والقيادات السنية، وعندما حلت الإنتخابات البلدية الأخيرة، أصر على خوضها عبر تحالف جامع لكل الأطراف السياسية السنية، مانعا حالة الإنقسام والتشرذم، ومجنبا طرابلس صراعات هي بغنى عنها.

ـ التواصل الشخصي مع الناس:

ميقاتي في سعي دؤوب للتواصل المباشر مع الناس، يستقبلهم، يخاطبهم بتواضع، كل باسمه، يسألهم عن أحوالهم، ويشاركهم همومهم وتطلعاتهم، ويسعى دائماً إلى إدخال البهجة والفرحة إلى كل بيت،  فبات موجوداً في كل حي من أحياء طرابلس وفي ذاكرة أهلها. وقلما تجد رئيس حكومة أو سياسي يتعامل مع أهله وفق هذه الروحية الأبوية الطيبة بحيث أصبح علامة فارقة في الحياة الإجتماعية الطرابلسية والشمالية.

لقد شكل نجيب ميقاتي، الذي يمثل الإسلام المعتدل الوسطي، ويتمسك بالعروبة المعقلنة وبالمنهجية الأوروبية النهضوية الحديثة،  ظاهرة غير مسبوقة مؤهلة لقيادة الجماهير التائهة والتائقة إلى بديل وطني، يؤمن لها الوجود والشعور بالذات، بعدما ضاعت أحلامها في متاهات الصراعات الإقليمية.

ميقاتي.. وسطي أم رجل حزب الله؟

قدم من عائلة غير سياسية ولديه علاقات جيدة بالإسلاميين في طرابلس

توقع كثيرون أن لا يصمد الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي أمام العواصف التي هبت عليه جراء قبوله أن يكون «دفرسوارا» في الطائفة السنية، بتوليه المنصب الأول لهذه الطائفة رغما عن زعيمها الأول سعد الحريري الذي يرأس أكبر تياراتها ويمتلك أكثر من ثلثي نوابها.

فلم يعهده الكثيرون، مغوارا ولا متهورا، إنما رجل محافظ إلى درجة الإزعاج، لا يتخذ خطوة إلا بعد إشباعها درسا وتقليبا وتمحيصا. لكن الرجل الذي كان يصعب على صحافي أن يأخذ منه كلمة «مثيرة»، ذهب فجأة إلى قمة الإثارة بإعلانه ترشيحه إلى الرئاسة الثانية متلاقيا مع حزب الله وقوى 8 آذار الساعية إلى إقصاء الحريري عن هذا الموقع الذي شغله منذ انتهاء الانتخابات النيابية عام 2009، الانتخابات نفسها التي تحالف فيها مع الحريري في طرابلس وحصل منها على «كتلته» النيابية المؤلفة منه، ومن النائب أحمد كرامي.

يمتلك ميقاتي تاريخا لم يلوثه بحرب، أو بفساد، ما خلا الاتهامات التي كان يحلو للرئيس السابق عمر كرامي أن يوجهها إليه من على منصة مجلس النواب في أول عهده بالوزارة نتيجة تملكه لشركة الهاتف الجوال التي استثمرت في قطاع الاتصالات وأدارت إحدى رخصتي الهاتف الجوال في لبنان تحت اسم «سيليس». أما مستقبل ميقاتي، فلا يزال في علم المجهول، خصوصا بعد اتخاذه قرار الترشح وتعريض نفسه لسهام أهل طائفته الذين انتفضوا على ترشيحه، لا لشخصه، ولكن لموقفه، في هذه اللحظات الحاسمة التي يمر بها لبنان، خصوصا أن القضية المطروحة على جدول أعمال حكومته لا تقل خطورة عن قرار قبوله رئاستها، فهي المحكمة الدولية التي تنظر في جريمة اغتيال زعيم السنة الأول، رفيق الحريري، التي يتوقع من ميقاتي أن يوقع قرار سحب تمويلها وقضاتها اللبنانيين، بالإضافة إلى إعلان وقف التعامل معها. وهذا قرار قد لا يستطيع ميقاتي أن «يبرئ نفسه منه» كما يقول المقربون من الحريري الذي يبدي الاستياء الشديد من ميقاتي، لا لشخصه، لكن لموقفه، فالحريري يرى أن ميقاتي «غدر به وطعنه في الظهر، فأصابه حيث فشل خصومه وأطاح به عن رئاسة الحكومة»، فاتهمه «المستقبل» بأنه يرأس حكومة حزب الله، وهو اتهام يرفضه ميقاتي الذي يشكر الحزب - كما غيره - على دعمه إياه لهذا الموقع، قائلا إنه لا يمكن أن يرفض دعما متعهدا فقط بحماية المقاومة، بالإضافة إلى تعهد آخر بجعل العلاقات مع واشنطن أولوية، جامعا بين صيف واشنطن وشتاء حزب الله تحت سقف واحد.

ولعل أكثر ما أزعج الحريري وفريقه في تكليف ميقاتي، أنه كان «ضربة معلم» بالنسبة للخصوم، فهذا الرجل «المعتدل الهادئ، ذو العلاقات الدولية الجيدة» يشكل هدفا أصعب بكثير مما يمكن أن يشكله الرئيس السابق عمر كرامي المفرط في معارضته. كما أن ميقاتي الذي اشتهر بوسطيته التي تمادى في إظهارها سيكون مجبرا على تشكيل حكومة من لون واحد بعد قرار الحريري و«14 آذار» عدم التعاون معه.

وبالإضافة إلى علاقاته الجيدة جدا مع الرئيس السوري بشار الأسد شخصيا، يمتلك ميقاتي علاقات إيجابية مع فرنسا التي يقال إنها الداعم الأساسي له في معركته الأخيرة، وكذلك نسج علاقات جيدة مع قيادات تركية وعربية. أما في الداخل، فقد اتبع، على النمط التركي، سياسة «صفر مشكلات» مع الجميع - حتى موعد الترشيح - خصوصا في مدينة طرابلس، حيث نشأت قوته السياسية والشعبية. فهو انفتح على الجميع، حتى مع الذين خاصموه، ويمتلك علاقة مميزة مع الإسلاميين، فلا يكاد مسجد يبنى في المدينة، إلا ولميقاتي نصيب في تمويله. أما رجال الدين في المدينة، فهم يحظون بمساعدات لأعمالهم الخيرية من قبل ميقاتي الذي عرف عن مؤسساته تقديماتها الكثيرة لجهة الأعمال الخيرية. حتى أن الجماعة الإسلامية التي رشحت الحريري لتأليف الحكومة الجديدة، قالت إنها فعلت ذلك «وفاء للرئيس الراحل»، لكنها «لم تجد في وصول ميقاتي جريمة» كما قال أحد قيادييها النائب السابق أسعد هرموش. أما السلبية التي تحيط بعمله في المدينة، فيقول أحد فعالياتها إن ميقاتي ككثير من السياسيين الطرابلسيين، اهتم بالمساعدات وأهمل الإنماء، فلم يخض حربا من أجل مشروع استثماري جيد للمدينة.

محمد نجيب ميقاتي المولود عام 1955 هو «الرقم السادس في الترتيب العائلي»، قبله كان لعائلته أربع بنات وصبي. ولأنه كان كذلك فقد حاز الكثير من الدلال، الذي يقول ميقاتي إنه لم يشكل حساسية لدى العائلة، خاصة لدى أخيه وشريكه طه فهما اعتمدا «معادلة ذهبية هي أن الكبير يعتني بالصغير والصغير يحترم الكبير. وقد استمرا على هذه المعادلة حتى اليوم».

كان ميقاتي طفلا عنيدا، حتى أنه استطاع أن يفرض على أهله عدم الذهاب إلى المدرسة التي ارتادها لثلاثة أيام فقط في سنته الأولى وفوت عاما دراسيا كاملا عوضه العام التالي بدخوله إلى صف الحضانة الثاني مباشرة.

تلقى دروسه الأولى في «الليسيه الكبرى» الفرنسية ثم توجه إلى الجامعة الأميركية فالدراسات العليا في هارفارد. ورغم أنه لم يكن تلميذا «نجيبا» في بداياته، فقد استطاع «تمرير المراحل»، وكان دائما عند المعدل العام للنجاح دون زيادة ولا نقصان، لكن الأمر تغير عندما بدأ يحب المدرسة، فقد نال شهادة البكالوريا - فرع العلوم الاختبارية بدرجة جيد جدا. بقيت المدرسة «غير محببة لديه. وشهر أكتوبر (تشرين الأول) الذي يبدأ فيه العام الدراسي يشكل عنده نقطة حزينة. حتى أنه عندما ذهب أولاده إلى المدرسة، كان «يخترع» فرصة للسفر للعمل، ولو لأسبوع، لكي تتولى والدتهم أخذهم إلى المدرسة. قائلا له «إنهم (أولاده) قالوا إنهم لا يريدون الذهاب فلن أجبرهم». لكن الأمور اختلفت مع التقدم في المدرسة مع إيجاد أصدقاء ورفاق صف، فأصبح يشتاق للعودة إلى الصف والرفاق، وصولا إلى الجامعة التي يقول إنها «كانت أحلى أيام حياتي». السنين الأولى للمدرسة كانت حزينة. كان الأساتذة يطلبون حضور الوالد إلى المدرسة بشكل متكرر. وفي إحدى المرات قال الأستاذ لوالده «أستغرب كيف أن هذا التلميذ يكون كسولا وأنا أعرف أنه يحفظ في ذهنه أسماء الـ 99 نائبا في المجلس النيابي». فقد كان ميقاتي هاويا للأمور السياسية لكن لم يكن في ذهنه أن يدخل في عالمها. كان يتابع كل القضايا السياسية. ويقول: «عندما بلغت سن الـ13 كنت أقصد المجلس النيابي وأحضر الجلسات العامة، فقط من باب الحشرية. كنت أطلب بطاقة خاصة، أذكر أنها كانت زهرية اللون، لدخول جلسات المجلس النيابي». وعندما دخل القاعة نفسها كنائب وكوزير رافقته هذه الذكريات حتى أنه كان يراقب الجمهور كيف ينظر إليه متذكرا كيف كان يجلس بينهم.

يعترف ميقاتي أنه منذ ذلك التاريخ كان يحلم بأن يدخل البرلمان والعمل السياسي، لكنه كان حلما يعتبره بعيد المنال «لأننا لم نكن عائلة سياسية ولم نتعاط السياسة أبدا، وكنت أرى أن الإرث السياسي هو الغالب. لم أعتقد يوما أن لي موقعا في هذا المكان. كان الأمر كمن يشاهد فيلما تلفزيونيا ويشتهي أن يكون مكان الممثل. حلمت بالموقع، لكني لم أصمم على الوصول إليه».

وسطيته هذه فسرت من قبل البعض على أنها «بلا لون أو طعم»، لكن ميقاتي البارع في السير بين النقاط، يرد على منتقديه بأربعة أسئلة: هل تمكنت من الفوز بالنيابة يوما؟ هل استطعت أن تصبح وزيرا؟ هل أصبحت رئيس حكومة؟ وهل استطعت أن تجمع ثروة؟ ثم يستطرد بالقول: «أنا فعلت كل ذلك، فمن منّا يكون الصح؟». يبرر ميقاتي وسطيته بالقول: «اتجاهنا في المنزل كان دائما وفاقيا، لم نكن جماعة (حرب). كنا نبتغي السلام وعند أي خلاف أو حدث، كنا ننظر دائما إلى ما يوفق. هذا دخل في طباعي منذ الصغر، كنت أرى دائما جانبا وفاقيا من أي حدث». ورغم أنه يعترف بأن البعض يرى أن الموقف الوسطي لا لون له، يؤكد أنه الأصعب. يرفض استعمال كلمة اعتدال «لأن الاعتدال ربما يكون مزيجا من أمرين، فالطقس المعتدل هو مزيج من البرودة والحرارة. لكن الوسط ليس مزيجا، إنه لون بحد ذاته وهو من أصعب الألوان». إيمانه بالاعتدال والوسطية، دفعه لإنشاء «منتدى الوسطية» و«منتدى استشراف الشرق الأوسط» كما أشرف على تنظيم سلسلة مؤتمرات وندوات عن الوسطية في المجالات كافة بمشاركة شخصيات لبنانية، عربية ودولية.

في السياسة الحالية، يقول ميقاتي إنه مع «14 آذار» لجهة المطالبة باستقلال لبنان وسيادته، ومع «8 آذار» الذي يتحدث عن المقاومة وعن واقع إقليمي معين، ومن حيث معرفتي بأننا جزء من هذه المنطقة ويجب أن نعيش علاقات جيدة ومثمرة مع الدول المجاورة. بدأ عمله السياسي من باب الاقتصاد، حيث انتخب عضوا في غرفة التجارة والصناعة عام 1992 ورئيسا للجنة الاقتصادية. وفي عام 1998 عين في أول حكومة تألفت في عهد الرئيس اميل لحود وزيرا للأشغال العامة ووزيرا للنقل وصفه آنذاك رئيس مجلس النواب نبيه بري بطرافته المعهودة بـ«أطول وزير في العالم» لطوله الفارع الذي يتجاوز المائة وتسعين سنتيمترا. ثم انتخب نائبا عام 2000 حيث نال حينها أكبر عدد من الأصوات في الشمال. وهو يعتز بالإجماع الذي ناله لتشكيل الحكومة بعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري في فبراير (شباط) 2005. حينها تعهد ميقاتي بعدم الترشح للانتخابات التي نظمتها حكومته، مبررا العزوف عن الترشح للانتخابات بأن «الإنسان إنسان، وأنا لا يمكن أن أكون حياديا وطرفا في آن». كما انسحب من شركة الهاتف الجوال والأعمال الأخرى في لبنان قائلا: «قررت أنه إذا أردت أن أكون رئيس وزراء ناجحا، يجب علي أن أتخلى عن أي مصلحة شخصية». عن تلك الفترة يقول: «استطعت أن أتعامل مع الجميع بقوة وبحزم، ولكن بعدل. كنا خلية إنتاجية في الحكومة، وكنا نعيش في الحكم كأننا سنعيش أبدا، ولآخرتنا وكأننا سنرحل غدا». دخل الجامعة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1975. وفي 11 مارس (آذار) 1976 حصلت حركة انقلابية قام بها اللواء عزيز الأحدب فتوقفت الدراسة في الجامعة، وأصيب المبنى الذي كان يسكنه بهذا القصف، فاضطر أن يترك لبنان إلى الولايات المتحدة الأميركية، لمتابعة دراسته. لكن ما حصل هو أنه قبل انتهاء الفصل الدراسي، أصيبت والدته بتوعك صحي، وكان هناك إجماع لدى الأطباء أن هذا التوعك سببه بعده عنها، فعاد إلى لبنان وترك الجامعة وبقي قربها حتى فرقهما الموت، فتابع دراسته في الجامعة الأميركية، ثم الدراسات العليا في كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد. تزوج في عمر 23 سنة، تعرف على زوجته مي دوماني على مقاعد الدراسة. وأصبح أبا في الـ24. وهذا أدى إلى تقارب كبير في السن مع الأولاد. وهذا التقارب أعطاه «قدرة على تكوين صداقة متينة معهم مع بقاء الاحترام». لكن ميقاتي يصر على إبقاء عائلته بعيدا عن الإعلام والسبب هو زوجته التي طردت مصورا وصحافيا من منزلهما عندما حاولا أخذ صورة للعائلة عند توزيره لأول مرة قائلة لهما: «هو الوزير وهو الشأن العام، أما نحن فلا. اختار الشأن العام فهذا شأنه، أما نحن فنريد أن نعيش حياتنا الطبيعية ولا أريد أن أضر بالأولاد. فهي كانت ترى أن الأولاد في مرحلة حرجة وقد يؤذيهم التعرض للأضواء».

الشقيق الأكبر طه هو في موقع الأب الذي لكلمته وقع خاص عنده. وابن شقيقه عزمي هو العقل الإداري الذي في عهدته إدارة الأعمال، مع شقيقه فؤاد، أما أولاده ماهر ومالك وميرا، فهم معنيون ببناء أنفسهم وإدارة شؤونهم بعيدا عن السياسة.. ميقاتي الذي يشغل المركز 41 في لائحة أثرى الأثرياء العرب يلخص أسرار النجاح في الحياة بأنه عاش في «عائلة متماسكة ومتمسكة بالترابط العائلي». دخل عالم الأعمال بالاشتراك مع شقيقه طه الذي كان قد أسس شركة تتعاطى المقاولات الهندسية في أبوظبي التي بدأ العمل فيها منذ تخرجه عام 1968 من الجامعة. ولما كان طه هاويا لمعدات الاتصال، أنشأ نجيب شركة صغيرة مع زميل في الجامعة تعمل في قطاع الاتصالات، محولا هواية شقيقه إلى عمل. وقد كبرت هذه الشركة (INVESTCOM) ودخلت في عالم الهاتف الجوال، حيث أسسا أول شركة من نوعها في لبنان. يقول ميقاتي: «النجاح ناجم عن علاقتي الممتازة مع شقيقي»، وقال: «نحن ندير عملا عائليا والفضل في نجاح العمل هو الأسلوب الذي اتبعه أخي، وهو استيعابه للجميع وتطويره ولأنه صاحب مبادرة وكنا جميعا نساعد في النجاح، والحمد لله نجحنا».

وشركة ميقاتي موجودة في 20 دولة أفريقية تقريبا. وبعد اندماجها مع شركة «MTN» أصبحا الشريك الأكبر فيها، ولديهما أعمال أخرى استثمارية وكذلك في مجال العقارات، ودخلا قطاع الألبسة بشراء شركة «فاسونابل» للألبسة. كما دخلا عالم الطيران حيث يمتلكان عددا كبيرا من الطائرات التي يقومان باستثمارها مع شركات أخرى، بالإضافة إلى شركة طيران اسمها «فلاي بابو» تنطلق من سويسرا. وهو حاليا عضو في مجلس أمانة الجامعة الأميركية في بيروت، وفي المجلس الاستشاري لكلية هاريس في جامعة شيكاغو، بالإضافة لعضويته في المجلس الاستشاري للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات «إنترناشيونال كرايسز غروب».

الشرق الأوسط - ثائرعباس - 28/1/2011

نجـيــب مـيـقـاتـي: الـزعـيـم المـبـتسـم.. يشــرب حلـيــب السـبـاع - جريدة السفير - خضر طالب

 

منذ أن أطل نجيب ميقاتي إلى طرابلس من البوابة السياسية في العام 1998 كوزير في حكومة الرئيس سليم الحص، «فاحت» منه «رائحة» طموح سياسي لا يقف عند حدود تلك الحقيبة الوزارية.


بسرعة قياسية، استطاع ميقاتي خلع بذلة رجل الأعمال وفصّل على قياسه بذلة خاطها في أسواق طرابلس التي تمكّن من عبور كل أبوابها، فإذا به يفرض نفسه في معادلة المدينة خياراً آخر.


لكن ميقاتي الذي احترف تدوير الزوايا، أمسك بطرف اللعبة السياسية داخل المدينة لأنه يعرف أن طرابلس قادرة على حمله إلى تحقيق طموحاته، وانشغل بتفاصيل التفاصيل التي لا يمكن لأحد تجميعها.


كثيرون كانوا يعتقدون أن نجيب ميقاتي لا يستطيع تجاوز العوائق الكبيرة أمام بلوغ مراميه بذلك الهدوء وسياسة المهادنة لكل الأطراف، وإدارة الظهر لكلّ تحدٍّ يواجهه.


وكثيرون كانوا يأخذون على نجيب ميقاتي أنه لا يمكن تسجيل نقطة له أو عليه لأنه يتقن السير بين النقاط، وأنه يستطيع الإفلات بسهولة من الزوايا التي يحشر فيها. لكنه كثيراً ما كان يردّ على بعض أولئك «المنظّرين» بثلّة اسئلة متتالية: هل تمكنت من الفوز بالنيابة يوماً؟ فيردّ «المنظّر» بالنفي، هل استطعت أن تصبح وزيراً؟ فيكرر «المنظّر» النفي، هل أصبحت رئيس حكومة؟ يتكرر النفي بهزّ الرأس، وهل استطعت أن تجمع ثروة؟ فيصمت «المنظّر» تاركاً لميقاتي أن يستطرد بالقول: «أنا فعلت كل ذلك، فمن منّا يكون الصح؟».


كثيرون كانوا يعتقدون أن هذا المتحدّر من عائلة متديّنة كان «ميقات» الصلاة في الجامع المنصوري الكبير يُكتب بما يملكونه من علوم دينية، وأن «إرث» جدّه «الميقاتي» الأول في ذلك الجامع الذي انصرف عن هموم الدنيا، يشير إلى أنه لا يمكن له أن يخرج من تلك العباءة الدينية وذاك الصوت المنادي لجمع الناس تحت قبة التقوى.


نجح نجيب ميقاتي في عبور محطات صعبة من الأزمات، وتجاوز خمس سنوات من الانقسام في لبنان بأقل قدر ممكن من الخسائر التي كان يسلّم بها طوعاً وبابتسامة لا تفارق وجهه، برغم ضغط متواصل من جمهور لطالما ألحّ عليه بموقف يشدّ من أزره ويُمسك العصب الشعبي.


استمع كثيراً إلى تلك النصائح التي تؤكّد له أن الزعامة لا تبنى بحبّة دواء من هنا ومساعدة اجتماعية من هناك ولا بمنحة تعليمية كانت كلّها تصرف على من يشاء من دون تدقيق في الولاء السياسي لطالبها.


هو اختار يوم الجمعة تحديداً من كل أسبوع ليستقبل الناس ويلبي طلباتهم بينما يحمل عز الدين مفكرته ليسجّلها، لكنه في ذات الوقت حوّل هاتفه الخلوي إلى «مكتب مراجعات»، وهو الذي عُرف عنه أنه يمتلك ذاكرة نشطة جداً تفاجئ صاحب الحاجة باتصال هاتفي مربك من زعيم ما اعتادوا على طينة من نوعه لإبلاغه بتحقيق مطلبه.


فلسفة الرجل أن المساعدة لا يجب أن تقرن بشرط الولاء وهي كانت موجودة قبل دخوله المعترك السياسي، لكنها فلسفة نجحت في «التسلّل» إلى قلوب كانت تدين بالولاء تاريخياً لهذا الموقع السياسي أو ذاك، أو أن مصالحها ترتبط بهذه الجهة أو تلك، فعطّل العديد من أدوات المواجهة مع قياداتهم وأفرغ تلك القواعد من أشرس الخصوم، قبل أن يستدرج كثيراً منهم إلى محيطه.


كل ما يمكن أن يقال عن نجيب ميقاتي كان يعرفه جيداً، فهو شغوف بالرسائل القصيرة (SMS) التي يتلقاها على هاتفه من كل زاوية في أحياء المدينة تخبره بما يقوله الناس فيه إيجاباً أو سلباً، وبات يملك موسوعة من «التوصيفات» التي تطلق عليه، لكنها كلّها لم تشكّل يوماً عنصراً ضاغطاً لإحداث تغيير في أدائه وسلوكه واستراتيجيته.


فجأة تغيّر نجيب ميقاتي وانكشف «ليث» يتخفّى خلف تلك الابتسامة الوادعة، ويقدّم نفسه كرجل صلب لا يتهاون ولا يخاف ولا يرضخ.


اختار نجيب ميقاتي التوقيت.. اقتحم المحطة الصعبة.. وهو يدرك أنه بات يقف على أرض صلبة في مدينة أصبحت تحتضن «حالته».


هو يعرف جيداً الآن حجم رصيده في الشارع.. انتهى من بناء المرحلة الأولى في مشروع الزعامة الشعبية بعد أن قرأ جيداً تجربة عبد الحميد كرامي ورشيد كرامي وصائب سلام ورياض الصلح ورفيق الحريري.. وغيرهم الكثير من الزعامات التاريخية، لكنه رسم خريطة طريق بين كل هؤلاء باحثاً عن هوية شخصية وبصمة خاصة لا تكون تقليداً لأي منهم، وإن كان قد استفاد من تلك التجارب التاريخية.


ليست زعامة تقليدية تلك التي يبنيها، وليست لها وراثة عائلية ـ اقله حتى الآن ـ برغم أن عائلته تشكّل النواة الأولى لفريق العمل: الشقيق الأكبر طه هو في موقع الأب الذي لكلمته وقع خاص عنده. وابن الشقيق عزمي هو العقل الإداري الذي في عهدته إدارة الأعمال لكنه يجد نفسه، مع شقيقه فؤاد، محكوماً في زمن الاستحقاقات «بوضع كتف» مع العمّ نجيب.


أما أولاده ماهر ومالك وميرا، فإنهم معنيون ببناء أنفسهم وإدارة شؤونهم بعيداً عن السياسة.. إلا في سياق إطلالات خجولة ومحببة في المناسبات.


لكن «أبو ماهر» الباحث عن زعامة خارج الواقع العائلي، بنى مؤسساته الخيرية برفع إسمي والديه الراحلين عزمي وسعاد، ومنهما اشتق اسم جمعيته «العزم والسعادة»، وكذلك تيار العزم.


في العمل الميداني يحاول نجيب ميقاتي على الدوام «اكتشاف» الطاقات المحيطة به من الشباب، فيستمع إلى عبد الإله وينصت إلى رامي ويطلب من مصطفى ويبتسم لعبد الرزاق ويمازح يوسف ويسأل خلدون

.. لكنه أيضاً يعطي أدواراً لكل المحيطين به على قاعدة أن «لكل واحد دوراً»، فتتوسّع حلقة المستشارين إلى من هم خارج الصورة الظاهرة على الملأ، ويوظّف علاقاته المتشّعبة لبلورة موقف ما أو خطوة ينوي القيام بها.


يملك نجيب ميقاتي «بنكاً» من المعلومات التي يختزنها في رأسه، يعرف متى يبوح بشيء منها وبماذا يبوح، وكيف يوظّفها لأدائه السياسي ومواقفه التي كانت حتى ما قبل قرار ترشيحه توصف بالرمادية.


يعترف نجيب ميقاتي أنه في المرحلة السابقة كان يتفادى الاصطدام مع أحد، باستثناء الاستحقاقات الانتخابية الطرابلسية التي استفاد من خبراتها باعتبارها «تمارين» تساهم في «تأهيله» لاستحقاقات انتخابية أكبر، في حين أنه كان «يفرّ» من معارك صغيرة لا يرى فيها ما يفيده في أوقاتها.


اختلف نجيب ميقاتي، كأنه «شرب حليب السباع»، لكن عارفيه يدركون أنه ما كان ليقدم على هذه الخطوة لولا أنه «حسبها جيداً» في حين أن المتحمّسين يعتقدون أنه حسم خياراته أخيراً وقرر بناء زعامته الشخصية التي لطالما كانوا يناقشونه في آلية بنائها.


خلال اليومين الماضيين كان نجيب ميقاتي يتابع من مكتبه في بيروت بدقة ما يجري في طرابلس، حوله ورشة عمل غير معتادة في هذا المكتب الهادئ. يتفحّص بعيون ثاقبة قلق المحيطين به وما تنطق به أعينهم من خشية أن تؤثر في قراره أعمال الشغب، فإذا به يباغتهم باتصال هاتفي من هنا يسجّل فيه موقفاً حازماً، ثم يرمي بينهم فكرة للنقاش توحي لهم بالثقة، ويخرج باستدعاء من شقيقه طه ثم يعود مبتسماً:

 

«الشارع اليوم لهم.. لكنه بعد ذلك سيكون لنا»، يطمئن الحاضرين إلى عناده وصلابة قراره، ثم يعود إلى التحديق في غرض ما على مكتبه أو إلى لوحة في الحائط مفكّراً بهدوء لا تعكّره نقاشات المحيطين به.


ينتظر نجيب ميقاتي انتهاء «يوم الغضب» ليبدأ «يوم الفرح» في طرابلس، وهو يعرف جيداً أن له في المدينة من الرصيد ما يكفي لعودته إليها مظفّراً بإعادة رئاسة الحكومة إليها، بل وبعودة «الثنائية» التي تستعيد موقع طرابلس ودورها في المعادلة اللبنانية من موقع الشريك المنافس.. وليس من موقع الملحق. 

 

نبذة عن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي

 

الرئيس نجيب ميقاتي ولد عام 1955 حائز إجازة في إدارة الاعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، وتابع دراسات عليا في معهد INSEAD في فرنسا وجامعة هارفرد في أميركا.

متزوج من مي دوماني ولهما ثلاثة اولاد، ميرا وماهر ومالك.

بدا حيــاته السياسية عندما تولّى، ما بين عامي 1998 و 2004، حقيبة وزارة الأشغال العامة والنقل في ثلاث حكومات متعاقبة. أنتخب عام 2000 نائبا عن مدينة طرابلس في مجلس النواب حتى العام 2005، حين تبوأ منصب رئاسة الوزراء، وشكل حكومة أشرفت على إجراء الانتخابات النيابية.

في العام 2009 إنتخب نائباً عن طرابلس للمرة الثانية، وأعيد إنتخابه في عام 2018.

أسس مع شقيقه طه شركةINVESTCOM الرائدة في عالم الاتصالات في الأسواق الناشئة في كل من الشرق الأوسط وأفريقيا، وسرعان ما حققت الشركة انجازات ونمو غير مسبوقين.

ساهم الرئيس ميقاتي بخبرته وممارسته في تضييق الهوة بين القطاعين العام والخاص، وهو حاليا عضو في مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، وفي المجلس الاستشاري لكلية هاريس في جامعة شيكاغو، بالاضافة لعضويته في المجلس الاستشاري للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات "انترناشونال كرايسز غروب".

يؤمن الرئيس ميقاتي بالاعتدال والوسطية، وأنشا لهذه الغاية "منتدى الوسطية" و"منتدى إستشراف الشرق الوسط" كما أشرف على تنظيم سلسلة مؤتمرات وندوات عن الوسطية في المجالات كافة بمشاركة شخصيات لبنانية، عربية ودولية خرجت بتوصيات شكلت قواعد ومرتكزات للعمل الوسطي في مختلف وجوهه.

له نشاطات خيرية وانسانية وإنمائية من خلال "جمعية العزم والسعادة الاجتماعية" التي أنشأها مع شقيقه طه في العام 1980، وهي تدير مؤسسات تربوية وصحية وإجتماعية.

نجيب عزمي ميقاتي – معجم حكام لبنان والرؤساء

ولد في مدينة طرابلس – التل، في 24 تشرين الثاني سنة 1955. تلقى دروسه بمختلف مراحلها في مدرسة الليسه الفرنسية، والتحق بعدها بالجامعة الأميركية في بيروت، حيث نال سنة 1979 الإجازة في إدارة الأعمال ، والماجستير سنة 1980. وتابع دراساته العليا في جامعة هارفرد حيث تخرج منها سنة 1989، وجامعة INSEAD في فرنسا، حيث أجرى دورات مهنية فيها.

قبل إحترافه العمل السياسي مارس مهنة رجل أعمال، فأسس سنة 1981 مع شقيقه طه ، شركة للإتصالات، ثم تفرعت منها في لبنان والخارج ، عدة شركات متخصصة في قطاع الإتصالات والخدمات التابعة لها.

إنتخب سنة 1992 عضواً في غرفة التجارة والصناعة في بيروت وجبل لبنان. وأعيد إنتخابه سنة 1996 وهو عضو في الهيئة التنفيذية للغرفة التجارية العربية الأميركية وعضو مجلس رجال الأعمال السوري اللبناني.

إختير عضواً في مجلس أمناء الجامعة الآميركية في بيروت، وفي المجلس الإستشاري، لكلية هاريس في جامعة شيكاغو، بالإضافة لعضويته في المجلس الإستشاري "للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات" (إنترناشيونال كرايسز غروب)، ويرأس منتدى إستشراف الشرق الأوسط ، كما يرأس منتدى الوسطية في لبنان.

إنتخب نائباًً عن محافظة الشمال قضاء طرابلس، في دورة 2000.

عين:

- وزيراً للأشغال العامة ووزيراً للنقل ، في كانون الأول سنة 1988، في حكومة الرئيس سليم الحص.

- وزيراً للأشغال العامة والتقل في تشرين الأول سنة 2000 في حكومة الرئيس رفيق الحريري.

- وزيراً للأشغال العامة والنقل في نيسان سنة 2003 في حكومة الرئيس رفيق الحريري. وعين في الحكومة نفسها، في أيلول سنة 2003، وزيراً للمهجرين بعد إستقالة الوزير عبدالله فرحات.

- عين رئيساً لمجلس الوزراء في نيسان سنة 2005 في عهد الرئيس إميل لحود. فشكل حكومة لم يترشح أحد من أعضائها للإنتخابات النيابية بمن فيها رئيسها، ونالت أعلى ثقة نيابية بلغت 110 أصوات. وقد جاءت هذه الحكومة لتشرف على الإنتخابات العامة التي جرت في مطلع صيف 2005، في الوقت الذي كان يمر فيه لبنان في فترة عصيبة، أعقبت إغتيال الرئيس رفيق الحريري. وقد وصف ميقاتي حكومته بأنها "حكومة اللاأحقاد وبداية صنع المستقبل".

- عين رئيساً لمجلس الوزراء في شهر شباط سنة 2011، في عهد الرئيس ميشال سليمان، بعد أن رشحته أكثرية 68 نائباً معظمهم من المعارضة مقابل 60 نائباً رشحوا منافسه الرئيس سعد الدين الحريري.

إبان توليه وزارة الأشغال ، عمل على تطوير مرفأ طرابلس وساهم في إبرام إتفاقيات النقل مع سوريا والأردن والعراق، وفي إطلاق سياسة الأجواء المفتوحة في قطاع النقل الجوي، والمخطط التوجيهي العام للبنان، ومشروع السلامة العامة، كما عمل بخبرته على تضييق الهوة بين القطاعين العام والخاص.

دعا ميقاتي إلى تخفيض سن الإقتراع إلى الثامنة عشرة عاماً وإلى تعديل إتفاق الطائف، لأنه ليس قرآناً ولا إنجيلاً. وهو يؤمن بالأداء السياسي الوسطي لأن الوسطية موقف. ويعني مكان إلتقاء الجميع. وإن قانون الإنتخابات لعام 1960، أوصلنا إلى الحرب عام 1975. وعن الحملات التي تصف طرابلس بالإرهاب يعتبر أن طرابلس هي مدينة معروفة بتسامحها وحسن ضيافتها وحفاظها على كرامتها، وبأنها تضم مكونات المجتمع اللبناني وسمتها الإعتدال والوسطية بكل ما للكلمة من معنى.

يرتبط ميقاتي بعلاقة وطيدة مع المملكة العربية السعودية ومع سوريا ، وهو يعتبر أن الجغرافيا أهم من التاريخ فكيف إذا كانت العلاقة معها نتيجة إجتماع الجغرافيا والتاريخ. وأن الرئيس السوري بشار الأسد "هو أول رئيس عربي يجري قراءة نقدية متكاملة واضحة وشجاعة لكل المواضيع المطروحة". مشدداً على أهمية تطوير التعاون الإقتصادي بين سوريا ولبنان. وأن مصلحة بأن يكون على علاقة ممتازة مع سوريا. ويؤكد أن الحرب على العراق هدفها الهيمنة على القرار السياسي والمقدرات الإقتصادية للدول العربية ، لافتاً إلى وجود تكامل بين المشروعين الأميركي والصهيوني ، في منطقة الشرق الوسط.

أَيّد ميقاتي المقاومة ضد إسرائيل وإعتبر أن سلاحها، يجب أن يبقى ما دامت إسرائيل تهدد لبنان وتحتل جزءاً من أراضيه.

دعا إلى فصل الإقتصاد عن التعصب السياسي وقال بالأجواء المفتوحة، كعامل إيجابي للسياحة والتجارة والعلاقات الدولية. معتبراً أن مؤتمر باريس 2، نجح دولياً وعربياً، لكنه تعثر محلياً، وأن خطة النهوض الشاملة التي أطلق عليها إسم الطريق إلى ميثاق بيروت"، تقوم مقام طائف إقتصادي وإنمائي للبنان.

خلال توليه المسؤوليات الحكومية ، تمكن من تحسين أعمال الصيانة ورفع مستواها، وتزفيت وشق الطرق وتوسيعها، وبنى عدة جسور وسرايات حكومية، ووضع المخطط  التوجيهي العام للمناطق، وتم تأهيل وتجهيز مرفأ بيروت، وتعميق الأحواض في مرفأ طرابلس وردم ساحات إضافية من البحر، وكذلك الأمر فيما يتعلق بمرفأي صيدا وصور.

تمكن نجيب ميقاتي من خلال "جمعية العزم  والسعادة الإجتماعية" من تقديم مساعدات عينية للمعوزين ، فضلاً عن الخدمات الصحية من خلال المراكز والمستوصفات التابعة للجمعية، وتنفيذ العديد من الأعمال التأهيلية، من أبنية وطرقات وجسور ومدارس ومساجد وملاعب رياضية وغيرها.

يؤمن بلبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه عروبي الإنتماء والهوية وموطناً للحرية والديمقراطية والحوار.

كان عضواً في كتلة نواب الشمال التي يرأسها النائب سليمان طوني فرنجية. بعد إستشهاد الرئيس الحريري تحالف مع تيار المستقبل في إنتخابات سنتي 2005 و2009 وترأس كتلة نيابية مستقلة.

له دراسات إقتصادية عن الخصخصة والتكامل الإقتصادي مع الدول العربية . وبالإضافة إلى أحاديثه الإعلامية، له كتابات نشرها في الصحف المحلية والدولية. وأبرز مقالاته : "علَمَّني لبنان"، و"لن ننتظر ذكراه كي نتذكره"، كتبها في الذكرى السنوية الثانية لإستشهاد الرئيس رفيق الحريري، و"الوسطية فعل إرادة".

يحمل وسام سلطنة عمان ووسام الإستحقاق اللبناني من درجة الوشاح الأكبر.

متأهل من السيدة مي دوماني ولهما: ماهر ومالك وميرا.

الرئيس السابق للحكومة اللبنانية والمساهم الأكبر في شركة "إم تي أن" العالمية نجيب ميقاتي لـمجلة "الرجل": هواية شقيقي أوصلتنا إلى النجاح

"التواضع"… هو أقل ما يوصف به الرئيس الأسبق للحكومة اللبنانية والشريك الرئيسي في شركة "ميقاتي غروب" الإستثمارية. فهذا الرجل ابتعد عن الأضواء كثيراً على قاعدة "النتائج بالأفعال" مفضلاً ترك الأقوال جأنباً.

عوامل قليلة أوصلت نجيب ميقاتي إلى النجاح المهني الذي وضعه في قائمة أغنى أغنياء العالم، والنجاح السياسي الذي جعله محط إجماع في رئاسة الحكومة في لبنان المليء بالتناقضات وفي أحرج لحظاته السياسية بعيد إغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، والنجاح الشخصي في الحفاظ على عائلة متماسكة وسعيدة.

في السياسة حمل شعار "الوسطية" وربما كأن من القلائل الذين يرون جانباً وفاقياً في كل أزمة. تخلى عن قطاع مربح في لبنان عند تعيينه وزيراً وإنتخابه نائباً، فباع أسهم شركة "سيليس" إحدى شركتي الهاتف الجوال في لبنان أنذاك وخرج من القطاع الذي يعتبره كثيرون "الدجاجة التي تبيض ذهباً". أما عندما اختير رئيساً للحكومة فقد قرر التخلي عن منصبه النيابي، ليقود الإنتخابات النيابية من دون أي غرض شخصي. عندما يتحدث عن الأعمال تخاله عنصراً ثانوياً في نجاح المجموعة، يضع الجميع في المقدمة ولا يتحدث عن نفسه، وعند موعد التصوير يستبعد من الكادر كل ما له علاقة بالفخامة من مسبح صغير في منزله الصيفي الجميل المطل على بيروت في محلة العبادية في عاليه، وبالتأكيد يرفض تصوير مجموعته النادرة من اللوحات داخل المنزل.

الرئيس ميقاتي حريص جداً على خصوصية عائلته، فإبعدها بقرار مشترك مع زوجته عن أضواء الإعلام منذ البداية، فلا تصدر لهم صورة أو خبر كما أن منزله وحياته الشخصية مستورة بجدار عال لا يدخله إلا الأصدقاء… ومجلة "الرجل" فازت بالحديث الشخصي الأول والوحيد حتى الآن مع الرئيس ميقاتي.

في حديقة منزله في الجبل


وفي ما يأتي نص الحديث:

*ما أول شيء تذكره من طفولتك؟

- أتذكر عنادي وعدم محبتي للمدرسة عندما كنت صغيراً. أذكر أني في سنتي الأولى ارتدت المدرسة لثلاثة أيام فقط، ورفضت بعدها الذهاب وفوّت عاماً دراسياً كاملاً عوضته العام التالي بدخولي إلى صف الحضانة الثاني مباشرة. وأذكر أن والدي - رحمه الله - استعمل ديبلوماسيته وأراد أن يسايرني حتى لا أكره المدرسة، وكانت هذه السياسة ناجحة لأني في ما بعد عدت وأحببت المدرسة وتابعت دراستي. عاطفة الوالدين كانت حاضرة دائماً في طفولتي وتابعت معي في كل مراحل الحياة.

* كيف كان الجو العائلي؟

- نحن عائلة متماسكة ومتمسكة بالترابط العائلي، نعيش جواً لا خلافات فيه بتاتاً وتسوده المحبة، وهذا سر من أسرار نجاحنا في الحياة.

* كيف كانت ظروف النشأة؟

- أنا الرقم السادس في الترتيب العائلي، قبلي كان لعائلتي أربع بنات وصبي. ولأني كنت صغير العائلة فقد حزت على الكثير من التسامح حتى لا أقول الدلع، فيما يكون الكبير موضع رهان العائلة لقيادتها لاحقاً، هذا الشيء لم يشكل أي حساسية، لأني وأخي طه لدينا معادلة ذهبية هي أن الكبير يعتني بالصغير والصغير يحترم الكبير. وقد استمرينا على هذه المعادلة منذ صغري وحتى اليوم، ونحن نورثها من جيل إلى آخر.

سياسي منذ الصغر

* ومإذا عن ذكريات الطفولة؟

- كانت طفولتي مريحة جداً جداً. عشت طفولة يسودها الحب والارتياح الكامل. لم أذكر يوماً أني حرمت من شيء، ولكن مع هذا كنت صاحب سلوك نظامي. أذكر ذات مرة في ذكرى ميلادي الخامسة أن والدي أخذني إلى متجر لألعاب الأطفال، فلم أكترث لأي لعبة، ما فاجأ صاحب المتجر الذي قال أنها المرة الأولى التي يرى فيها ولداً لا يهتم بالألعاب. لم أكن الهو كثيراً مع الأطفال لأني كنت أريد أن أجالس من هم أكبر مني سناً.

وعندما بدأت أتعلم القراءة الأولى كنت دائماً أطرح السؤال على أهلي هل إذا وصلت بالدرس والقراءة إلى هذه الصفحة من الكتاب أصبح قادراً على قراءة الصحيفة.

* كنت تهوى السياسة منذ الصغر إذن؟

- كنت هاوياً للأمور السياسية لكن لم يكن في ذهني أن أدخل في عالمها. كنت أتابع كل القضايا السياسية. وعندما بلغت سن الـ 13 كنت أقصد المجلس النيابي وأحضر الجلسات العامة، فقط من باب الحشرية. كنت أطلب بطاقة خاصة، أذكر أنها كانت زهرية اللون، لدخول جلسات المجلس النيابي. وفي إحدى المرات حضرت جلسة استمرت حتى الثالثة صباحاً عندما استقال الرئيس رشيد كرامي في جلسة مناقشة طويلة عام 1969، وقد أدت هذه الاستقالة إلى فراغ حكومي لفترة طويلة وأدت إلى "اتفاق القاهرة". أذكر أنه في هذه الجلسة أن النائب كمال جنبلاط - وكان وزيراً حينها - أخذ غفوة خلال الجلسة.

* هل رافقتك هذه الذكريات في أول مرة دخلت البرلمان؟

- نعم، عندما دخلت كنائب وكوزير رافقتني هذه الذكريات حتى أني كنت أراقب الجمهور كيف ينظر إلي وأتذكر كيف كنت أجلس.

في مكتبه في بيروت

* هل خطر ببالك يوماً وأنت تحضر الجلسات من فوق أنك ستصبح نائباً؟

- الطموح والحلم حق. طبعاً كنت أحلم وأفكر بهذا الموضوع، لكني كنت أعتبره أمراً بعيد المنال لأننا لم نكن عائلة سياسية ولم نتعاط السياسة أبداً، وكنت أرى أن الإرث السياسي هو الغالب. لم أعتقد يوماً أن لي موقعاً في هذا المكان. كأن الأمر كمن يشاهد فيلماً تلفزيونياً ويشتهي أن يكون مكان الممثل. حلمت بالموقع، لكني لم أصمم على الوصول إليه.

* ماذا كان موقف العائلة من اهتمامك بالسياسة؟

- طبعاً لم أكن أخفي أي شيء عن العائلة، فأحياناً كنت أعود متأخراً بالليل. وأعود بالسرفيس (سيارة الاجرة) إلى المنزل. كنت أعرف أن هناك وجهتي نظر داخل المنزل. فريق كان يعارض ويخشى أن "أتولع" بهذا الشيء. وفريق يقول: "لا بأس، دعوه يعرف ويجرب". كنت أحب السياسة وكنت أحفظ عن ظهر قلب أسماء النواب ومناطقهم، وكنت أعرف عدد الأصوات التي نالها معظمهم ومن كان ينافسهم. كانت نوعاً من هواية أحبها.

* هل تحولت الهواية إلى ممارسة في وقت ما؟

- كلا، كان همي مراقبة السياسة العليا. كنت أجالس الكبار، وكان زوار منزلنا يدعونني للجلوس بينهم إذا أرادوا النقاش بالسياسة. وكنت أناقشهم وكنت ما أزال ولداً.

* فترة شبابك كانت حرجة جداً ومليئة بالتطورات السياسية والتظاهرات وصولاً إلى الحرب الأهلية، أين كنت من هذا كله؟

- اتجاهنا في المنزل كان دائماً وفاقياً، لم نكن جماعة "حرب". كنا نبقي السلام وعند أي خلاف أو حدث، كنا ننظر دائماً إلى ما يوفق. هذا دخل في طباعي منذ الصغر، كنت أرى دائماً جانباً وفاقياً من أي حدث. البعض يرى أن الموقف الوسطي لا لون له، لكن على العكس إنه الأصعب. أنا لا أستعمل كلمة إعتدال لأن الاعتدال ربما يكون مزيجاً من أمرين، فالطقس المعتدل هو مزيج من البرودة والحرارة. لكن الوسط ليس مزيجاً بل هو التقاء. وسط المدينة هو ملتقى أهلها. الوسطية طبعت شخصيتي وكنت أتصرف دائماً من هذا المنطلق.

* ما هي المحطات السياسية الأساسية التي تذكرها؟

- أذكر بغير وضوح ثورة العام 1958، كنت في سن الثالثة واذكر كيف كنا نختبىء في زوايا المنزل خوفاً من الرصاص. وأذكر أيضاً أحداث سنة 1961 والتي شهدت محاولة الإنقلاب على الرئيس فؤاد شهاب. وفي العام 1964 كنت من المتحمسين لكي يمدد الرئيس فؤاد شهاب ولايته لأنني تابعته ورأيت أنه يريد فعلاً أن يبني دولة. لكن بعزوفه عن قبول التمديد زادت مكانته لدي. وأتذكر أيضاً انتخاب الرئيس شارل حلو بعد انتهاء ولاية الرئيس شهاب الذي فاز بأغلبية كبيرة، وبدأت أحس كم أن الديمقراطية جميلة وكم أن التغيير مفيد. في عهد شارل حلو أتذكر حرب 1967 والتظاهرات التي حصلت في العام 1969 بدعم من القوى اليسارية والتنظيمات الفلسطينية وما تبعها من منع تجول واستقالة الحكومة. حزنت يومها على الدم الذي سال، لكني كنت دائماً ميالاً إلى سلطة الدولة، كنت أحس أن السلطة لها حق. وأذكر أيضاً انتخاب الرئيس سليمان فرنجية الذي فاز بصوت وحيد، وكنت فرحاً حينها لأنه من الشمال. بكل شيء كنت أتخذ خيار العقلانية والوسط، وكنت أرفض التبعية العمياء. كنت أنظر إلى أي شخص من خلال مواقفه وقراراته، وذلك ضمن الثوابت الأساسية وهي الوطنية ، مخافة الله واحترام الآخر. أنا مع المواقف التي يتخذها الأشخاص ولست معهم بمجرد أنهم يعجبونني. يتحدثون اليوم عن "14 إذار" فهل من أحد لا يطرب أو يسر لمواقف "14 إذار" من قضايا لبنان ومطالبتهم باستقلاله وسيادته، أنا مع "14 إذار" من هذه الناحية وفي المقابل هناك "8 إذار" الذي يتحدث عن المقاومة وعن واقع اقليمي معين، فأنا مع "8 إذار" من حيث تأييدي للمقاومة ومن حيث معرفتي بأننا جزء من هذه المنطقة ويجب أن نعيش مع علاقات جيدة ومثمرة مع الدول المجاورة. أنا مع المواقف الجيدة التي تنسجم مع معاييري التي أضعها في هذا الاطار.

* أين بدأ التحول الذي قادك إلى العمل السياسي؟

- انتخابي عضواً في غرفة التجارة والصناعة عام 1992 ورئيساً للجنة الإقتصادية. بدأت العمل العام من هناك، لجهة التعاطي مع الناس ومع الإنتخابات والشأن الاقتصادي وأنا أعتبره الملف الأهم. كنت أعد تقارير شهرية للغرفة التي كأن يرأسها الاقتصادي الكبير الأستاذ عدنان القصار الذي أعطى الغرفة الكثير، ولم يمر أحد فيها إلا واكتسب شيئاً من خبرته. وفي العام 1998 كنت قد انتخبت مرة ثانية في الغرفة ونلت أكبر عدد من الأصوات من بعد الرئيس عدنان القصار. في ذلك العام عينت في أول حكومة تألفت في عهد الرئيس إميل لحود وزيراً للأشغال العامة ووزيراً للنقل.

* كيف كانت أيامك في الوزارة؟

- قبل وقت قصير من تشكيل الحكومة علمت أنني سأعين وزيراً، لكني كنت أعتقد أني سأكون وزيراً للإقتصاد. أذكر أنني عندما اتصلت بسلفي الوزير علي حراجلي اتفقنا على التسلم والتسليم، فسألته على الهاتف عن موقع الوزارة، فمازحني قائلا: "أنت تبدأ من مكان بعيد جدا". لم تكن أيام الوزارة الأولى سهلة، فالقطاع العام مختلف تماماً عن القطاع الخاص. القطاع العام له مفاصل مختلفة عن القطاع الخاص، وهناك الروتين الإداري. أذكر أني في الشهر الأول أوقفت المكافآت والمشاريع التي كنت أعتقد أن لا جدوى لها، فأتى شخص إلى مكتبي وحذرني من ذلك قائلاً: "أنت لا تعرف بالسياسة، هذه الوزارة ليست وزارة النزاهة، بل وزارة النافعة" وقد وجدت لأنفاع الناس.

* وهل استسلمت؟

- كلا بالعكس، هذا الكلام أعطاني دفعاً أكبر للإصلاح ولعدم السير بأي معاملة أو مكافأة أو مشروع لم أكن مطمئناً ومرتاحاً لجدواه.

* ثم دخلت البرلمان؟

- إن شرف تمثيل منطقة الشمال، هو شرف كبير جداً ومسؤولية كبيرة جداً... خصوصاً أن النائب عندنا لا يشرّع فقط، بل هو يتابع أمور المواطنين في السراء والضراء. وأن يكون معهم في كل حدث ومناسبة اجتماعية وكل خدمة يصبون إليها. وهذا وضعني أمام مسؤولية كبيرة جداً، خصوصاً أني نلت أكبر عدد من الأصوات في الشمال. وأعتقد أني قمت بكل ما يرتاح إليه ضميري، ولو لم يكن أدائي الوزاري والنيابي بالمستوى المطلوب لما حصل إجماع على اختياري لتشكيل الحكومة بعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري.

* لمإذا اتخذت قرار العزوف عن الترشح للإنتخابات؟

- لأن الإنسان إنسان، وأنا لا يمكن أن أكون حيادياً وطرفاً في آن. أنا مع الشعار الذي يقوله الرئيس سليم الحص وهو أن المسؤول يبقى قوياً لحين تصبح له مصلحة شخصية فيصبح ضعيفاً. ولأني كنت أريد أن أكون قوياً، كان يجب أن لا تكون لدي مصلحة. لذلك لم أترشح لأستطيع إجراء انتخابات لا تشوبها أي شائبة أو أية علامة استفهام .

* ولهذا انسحبت من شركة الهاتف النقال والأعمال الأخرى في لبنان؟

- طبيعي، انسحبت أولاً، ثم صفينا أعمالنا. ولغاية اليوم لا يوجد لدينا في لبنان أي أعمال، ما عدا بعض العقارات الموجودة. المسؤول يصبح ضعيفاً إذا كانت لديه مصلحة ما. أنا أنسان وأخشى أن أكون ضعيفاً لهذا قررت أنه إذا أردت أن أكون رئيس وزراء ناجحاً، يجب علي أن أتخلى عن أي مصلحة شخصية. أنا كنت أضحي للبنان فتلك المرحلة كانت أصعب ما مر به لبنان، ونجحنا. وسيذكر التاريخ عن هذه المرحلة أننا اجتزناها بنجاح. ولهذا أيضا أصرّيت على كل الوزراء الذين اختيروا أن لا يترشحوا للإنتخابات.

* دخلت إلى نادي رؤساء الحكومات في أصعب فترات لبنان، كيف عايشت هذه المرحلة وما رأيك بالنتائج؟

- الإعتزاز والقوة أتتني من إجماع اللبنانيين على الثقة بي، وبعد الإختيار الديمقراطي لي بأن أكون رئيساً للحكومة، أتى شبه الإجماع الذي حظيت به حكومتي في مجلس النواب وكانت حينها أعلى ثقة تنالها حكومة بعد اتفاق الطائف. ولهذا استطعت أن اتعامل مع الجميع بقوة وبحزم، ولكن بعدل. كنا خلية إنتاجية في الحكومة، وكنا نعيش في الحكم كأننا سنعيش أبداً، ولآخرتنا وكأننا سنرحل غداً. عملنا بكل زخم وقوة، وأذكر أننا أعددنا لائحة بأمور صغيرة جداً من 70 بنداً غيّرت وجه لبنان اقتصادياً، فارتفع سهم سوليدير من 13 إلى 27 دولاراً. والأهم كان النجاح الكبير للإنتخابات النيابية التي كانت من أنزه الإنتخابات، فكل المعترضين يلومون قانون الإنتخاب ولم يقل أحد منهم أن العملية الإنتخابية كان فيها شائبة. فنحن كنا أمام خيارين، خوض الإنتخابات وفقاً لهذا القانون أو تأجيلها. فأجريناها وسلمنا الحكومة لمن اختارته الأكثرية المنتخبة.

* هل انتهى الطموح السياسي بعد تسليم رئاسة الحكومة؟

- كلا أبداً. لم يتغير لدي شيء اليوم إذا لم أكن نائباً. أنا اتصرف كما كنت قبلاً، وأنا قريب من الجميع وأساعد وأخدم وأحاول أن أكون مواسياً لكل صاحب حاجة. أنا أشعر أني ما أزال أمارس عملي النيابي. أنا لا أحسد اليوم رئيس الوزراء على موقفه. أنا أتطلع إلى المنصب لكي أنجز، ولو لم أكن متأكداً من الإنجاز في المرحلة الماضية لما اخترت المنصب، اليوم أرى أنه ضمن هذه الظروف الإقليمية والمحلية والجنون السياسي الذي يسود الساحة اللبنانية اقول أن الإنجاز صعب، وبالتالي لست لاهثاً وراء أي منصب. بالعكس ما أقوم به اليوم من خدمة لوطني عبر علاقاتي العربية والدولية واتصالاتي المستمرة مع الجميع تساعدني على إعطاء الرأي الصحيح للواقع اللبناني.

* هل ترى أن مفهوم الوسطية خيار ناجح لإدارة الأزمة الراهنة؟

- الوسطية ليست بالمطلق، إنها تأتي ضمن إطار. فبين شخص يحب لبنان وآخر ضد استقلاله لا يمكن أن أدعي الوسطية. لكن مع المغالاة في الإستقلال والإستقلال الحقيقي، أنا مع الخيار الثاني.

من درجة "متوسطة" في المدرسة إلى هارفرد…

لم يكن نجيب ميقاتي تلميذاً نجيباً في بداياته وكان يكره المدرسة ولهذا تأخر سنة عن الإلتحاق بها، وكان تلميذاً "متوسطاً" يحمل له شهر أكتوبر كل عام "غمامة سوداء" لأنه موسم دخول المدرسة. لكن الصورة تغيرت لاحقاً في الثانوية إذ تخرج منها برتبة "جيد جداً" ثم الجامعة فالدراسات العليا في جامعة هارفرد.

* أين تلقيت تعليمك؟

- بحكم وجود الوالد وعمله في بيروت، تلقيت دروسي الأولى هناك في "الليسيه الكبرى" الفرنسية ثم توجهت إلى الجامعة الأميركية فالدراسات العليا في هارفرد.

* لم تكن تلميذاً "نجيباً" في بداياتك، فكيف كانت بقية المراحل؟

- لا أستطيع أن اقول أنها سارت بسلاسة. بقيت المدرسة عندي غير محببة. وشهر أكتوبر (تشرين الأول) الذي يبدأ فيه العام الدراسي يشكل عندي نقطة حزينة. وأذكر تماماً أنه عندما ذهب أولادي إلى المدرسة، كنت أجد فرصة للسفر للعمل، ولو لأسبوع، لكي تتولى والدتهم أخذهم إلى المدرسة. وكنت أبرر لها ذلك بأنهم إذا قالوا أنهم لا يريدون الذهاب فلن أجبرهم... ما تزال بداية المدرسة تشكل بالنسبة لي فترة قاتمة. الأمور اختلفت مع التقدم في المدرسة مع إيجاد أصدقاء ورفاق صف، فأصبحت أشتاق للعودة إلى الصف وإلى رفاقي. أما الجامعة فكانت أحلى أيام حياتي.

* وكيف كانت الأجواء الدراسية؟

- لم أكن تلميذاً مجتهداً في السنوات الأولى لأني لم أكن أحب المدرسة، وكنت دائماً عند المعدل العام للنجاح بدون زيادة ولا نقصان. كنت تلميذاً متوسطاً ولم أكن مجتهداً أبداً، لكن الأمر تغير عندما بدأت أحب المدرسة، فقد نلت شهادة البكالوريا- فرع العلوم الإختبارية بدرجة جيد جداً.

* هل من حوادث معينة تبقى في ذاكرتك من تلك الأيام؟

- السنين الأولى للمدرسة كانت حزينة. أذكر أنهم دائماً كانوا يطلبون حضور الوالد إلى المدرسة. وفي إحدى المرات قال الأستاذ للوالد "استغرب كيف أن هذا التلميذ يكون كسولاً وأنا أعرف أنه يحفظ في ذهنه أسماء الـ 99 نائب في المجلس النيابي". وأذكر أيضاً عام 1967 عندما حصلت "النكسة" وكنت أستعد لتقديم امتحانات الشهادة الإبتدائية "السرتيفيكا"، لكن بسبب الحرب ألغيت الإمتحانات ونجحنا جميعاً، وكنت أردد دائماً ممازحاً أن "نكسة العام 1967 كانت إيجابية بالنسبة لي". وأذكر أيضاً أنني ذات يوم عدت من المدرسة وكنت أتحدث مع شقيقتي عن حصيلة النهار فقلت لها: نحن في الصف، نصفنا مسلمون ونصفنا مسيحيون، فسمع والدي الكلام وسألني: من قال لك ذلك؟ فأجبته: رفيقي ويدعى فلان. فقال لي: لا أريدك أن تتحدث معه أو ترافقه بعد اليوم.

* كيف كانت أيام الجامعة؟

- دخلت الجامعة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1975. وفي 11 مارس (إذار) 1976 حصلت حركة إنقلابية قام بها اللواء عزيز الأحدب فتوقفت الدراسة في الجامعة. وأذكر يومها أنه حصل الكثير من القصف بين المنطقتين المتنازعتين في لبنان، وأصيب المبنى الذي كنا نسكنه بهذا القصف، فاضطررت أن أترك لبنان إلى الولايات المتحدة الأميركية، وبدأت أتابع دراستي هناك. لكن ما حصل هو أنه قبل انتهاء الفصل الدراسي، أصيبت والدتي رحمها الله بتوعك صحي، وكان هناك إجماع لدى الأطباء أن هذا التوعك سببه بعدي عنها، فعدت إلى لبنان وتركت الجامعة وبقيت بقربها حتى فرقنا الموت، وقد تابعت دراستي في الجامعة الأميركية، ثم تابعت دراستي العليا في كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفرد.

مع شقيقه طه

"عمل عائلي" يدخله في قائمة "فوربس" لأغنى أغنياء العالم

يرفض رجل الأعمال نجيب ميقاتي الحديث عن ثروته التي جمعها من خلال أعماله الناجحة حول العالم بدءاً من قطاع الإتصالات الذي قالت مجلة "فوربس"أنه در عليه وشقيقه طه 2.6 مليار دولار من الأسهم لكل منهما جراء صفقة بيع أسهم شركة "إنفستكوم" للإتصالات لشركة "إم تي ان" العالمية ما وضعهما في مصاف 27 عربياً دخلوا القائمة العام الماضي. علماً أن شركة ميقاتي غروب باشرت عملية استثمار واسعة أبرزها شركة "فاسونابل" المشهورة للأزياء بـ 210 ملايين دولار بالإضافة إلى شركة نقل جوي وعشرات الطائرات والعقارات.

ساهم الرئيس ميقاتي في أوائل الثمانينات في تأسيس "إنفستكوم" التي أصبحت رائدة في عالم الإتصالات في الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط وأفريقيا محققة إنجازات ونمو غير مسبوقين في مجال عملها. وقد أندمجت أخيراً في شركة MTN العالمية بعد أن تم إدراج أسهم "إنفستكوم" في بورصتي لندن ودبي.

* كيف دخلت عالم الأعمال؟

- كان شقيقي طه قد أسس شركة تتعاطى المقاولات الهندسية في "أبو ظبي". هو كان بدأ العمل هناك منذ تخرجه عام 1968 من الجامعة. وإضافة إلى عمله كان هاوياً لمعدات الإتصال، وكان يهوى تجميع هذه الالات رغم أنه كان مهندساً مدنياً. عندما تخرجت من الجامعة كنت قد أدركت أهمية قطاع الإتصالات، ولمعرفتي بخبرة شقيقي في هذا المجال، فحولت هوايته إلى عمل. وبدأ يساعدني في الأفكار، علماً أني كنت قد أنشأت شركة صغيرة لي مع زميل لي في الجامعة، وقد كبرت هذه الشركة ودخلنا في عالم الهاتف الجوال حيث أسسنا أول شركة من نوعها في لبنان.

* ما سر النجاح؟

- النجاح ناجم عن علاقتي الممتازة مع شقيقي، نحن ندير "عمل عائلي" والفضل في نجاح العمل هو الأسلوب الذي اتبعه أخي، وهو استيعابي للجميع وتطويري ولأنه صاحب مبادرة وكنا جميعاً نساعد في النجاح، والحمد لله نجحنا.

* أين يتركز عملكم؟

- الشركة موجودة في 20 دولة تقريباً. ونحن كنا العام الماضي قد أندمجنا مع شركة MTN حيث أصبحنا الشريك الأكبر فيها، ولدينا أعمال أخرى استثمارية وكذلك في مجال العقارات، إلى ما قمنا به مؤخراً من شراء شركة "فاسونابل" للألبسة. كما دخلنا أيضاً عالم الطيران فنحن نمتلك عدداً كبيراً من الطائرات التي نقوم باستثمارها مع شركات أخرى، بالإضافة إلى شركة طيران نمتلكها إسمها "فلاي بابو" تنطلق من سويسرا.

* أين كان مفصل النجاح والإنتشارالواسع؟

- النجاح يكون دائماً بالعمل الصحيح والمثابرة عليه. أولاً مخافة الله ورضى الوالدين والمثابرة بالعمل التي لا بد من أن تأتي بنتيجة إذا كان هذا العمل قوامه صحيح ويبنى على بنيان جيد.

* النجاح كان سريعاً، هل توسعتم بسرعة؟

- كلا، عملنا ضمن خط الإتصالات والهواتف الخليوية، ثم بعد أن تم الدمج بدأنا التوسع في الإستثمار الصناعي وجديدنا هو في شمال لبنان حيث نسعى لإيجاد فرص عمل والنهوض بالمنطقة اقتصادياً.

أخ وفي وزوج سعيد و..... أب صديق

نجيب ميقاتي رجل يقدس الرابط العائلي، ولد وتربى في عائلة متماسكة "يحترم فيها الصغير الكبير ويحنو فيها الكبيرعلى الصغير" كأن والداه مثله الأعلى في الحياة، وعندما رحلا، حزن حزناً شديداً، والكل يذكر الدموع التي ذرفها هذا الرجل عند وفاة والدته، وقيادته بنفسه السيارة التي تحمل نعشها في رحلتها الأخيرة من بيروت إلى طرابلس. يحمل نجيب لشقيقه الأكبر طه الذي أخذ دور "جمع العائلة" لاحقاً عاطفة كبيرة لا يتورع عن إظهارها في كل المناسبات. مارس ميقاتي مع أولاده الدور نفسه الذي مارسه والده معه، فكان صديقاً ثم أباً، أما زوجته مي دوماني التي رافقته في حياته منذ كان في الـ 23 من عمره فهو يرد إليها "الفضل الأكبر في نجاحه وفي تربية الأولاد على المبادئ العائلية السليمة".

والديه عزمي وسعاد ميقاتي

* كيف كانت العلاقة مع الوالدين؟

- أنا نشأت في عائلة قوية الروابط، وكان والدّي على تفاهم تام. كنا عائلة متوسطة الحال، وكان اهتمامهما الأساسي هو تعليمنا، وبالفعل تلقينا نحن السبعة أفضل تعليم في أفضل المدراس والجامعات. وكان همهما تأمين كل ما نطلب وتوفير سبل الراحة لنا. ونحن أتينا من عائلتين كبيرتين لأمي وأبي، فكان لدينا رابط عائلي متين مع العائلة الكبرى من جانب الوالدين، وكنا دائماً على تواصل خصوصاً في فصل الصيف، حيث كنا نصيّف مع كل أفراد العائلة الكبرى في بلدة حصرون في شمال لبنان، وكنا نترافق خلال فترة الصيف باللعب واللهو والطعام والسهرات، وهذا ما خلق رابطاً مشتركاً مع أفراد العائلة.

* كان الرابط العائلي لديك أهم من الجامعة؟

- الرابطة العائلية مهمة جداً، سواء العائلة الكبرى أو الصغرى أو بيننا كأخوة. وقد أخذ شقيقي طه دور من يجمع العائلة بعد وفاة الوالدين. وكان شقيقي الأكبر طه دائماً القدوة والمثال لنا في التعامل، خلال فترة وجود والدّي وبعد رحيلهما، رحمهما الله. ولا يزال حتى اليوم يرعانا رعاية الأب الصالح.

* ماذا نقلت معك إلى عائلتك؟

- الشيء نفسه، المحبة والإحترام. وأنا أشكر ربي أن حياتي الزوجية سعيدة جداً، وهذا ينعكس على الأولاد راحة في التصرف والتفكير والمحبة المتبادلة بينهم.

* إذاً مفتاح الحياة العائلية السعيدة، زواج سعيد؟

- مفتاح الحياة العائلية السعيدة: زوجة صالحة. هذا بدأ مع والدي وانتقل إلينا جميعاً والحمد لله.

* إلى أي مدى أنت قريب من أولادك؟

- قريب جداً جداً، نادراً ما كنت ألبي دعوة على الغداء، فقط على العشاء، لأن الغداء للعائلة في المنزل عند عودة الأولاد من المدرسة. بدأنا هذا منذ صغرهم فنجلس حول المائدة ونتكلم سوياً فيه. وأنا افضله على تلبية أي دعوة أخرى، لأني أعتبر أن من لا يستطيع بناء عائلة متينة ومحبة، لا يستطيع أن يحكم بلد أو ينجح في عمل ما.

* تتابع أمورهم عن كثب؟

- بدقائقها.

مع حفيده نجيب

* والتفاعل بينكم؟

- أحياناً يكون المزاح بيننا يتجاوزالمعتاد، إنها صداقة وعلاقة صحبة أكثر منها علاقة أب بأولاده.

* تفضل أن تكون صديقاً لهم لا أباً؟

- لكل مقام مقال.

* مإذا عن زوجتك؟

- أنا تعرفت على زوجتي مي دوماني خلال دراستي في الجامعة الأميركية، في السنة الأولى أو الثانية. كنا على مقاعد الدراسة سوية وتابعنا حياتنا معاً. ومن نعم الله عليّ هذه الزوجة التي كافحت معي وثابرت، وإليها يعود الفضل الأكبر في نجاحي وفي تربية الأولاد على المبادئ العائلية السليمة.

* في أي سن تزوجت؟

- في عمر الـ 23 سنة. وأصبحت أباً في الـ 24. وهذا أدى إلى تقارب كبير في السن مع الأولاد. وهذا التقارب أعطاني قدرة على تكوين صداقة متينة معهم مع بقاء الإحترام.

* لماذا أبعدت عائلتك عن ضوء الإعلام؟

- هذا كان طلب زوجتي. أول يوم عينت وزيراً، أتى المصورون ليلاً للتعرف على الوزير الجديد، فدخل مصور ترافقه صحفية إلى غرفة الجلوس وحاولا تصوير العائلة، فرفضت بحزم وقالت لهما: هو الوزير وهو الشأن العام، أما نحن فلا. اختار الشأن العام فهذا شأنه، أما نحن فنريد أن نعيش حياتنا الطبيعية ولا أريد أن أضر بالأولاد. فهي كانت ترى أن الأولاد في مرحلة حرجة وقد يؤذيهم التعرض للأضواء.

*مإذا عن أولادك؟

- إبني الأكبر ماهر عمره 27 عاما وهو متزوج من دانا سعادة وعندهما طفل إسمه نجيب. إبنتي ميرا عمرها 25 عاماً وهي متزوجة من إبن شقيقتي علي بدير وعندهما طفلة إسمها نجلا. وإبني الأصغر مالك يتابع دراسته الجامعية وعمره 18 عاماً.

*ما هي هواياتك؟

- المطالعة.

تشرين الأول/أكتوبر 2007 - "مجلة الرجل" - ثائر عباس

المزيد من الفيديو
كلمة الرئيس نجيب ميقاتي في مؤتمر الأردن