الرئيس ميقاتي: لا نحمل عصا سحرية لمعالجة المشاكل التربوية لكننا نملك الإرادة والعزم على المحاولة
الإثنين، ٠٧ شباط، ٢٠٢٢
أكد رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي "إننا لا نحمل عصا سحرية لمعالجة المشاكل التربوية دفعة واحدة، لكننا بالتأكيد نملك الإرادة والعزم والتصميم على المحاولة، ونتطلع الى تفهم الجسم التعليمي من أساتذة وإداريين لوضع الحكومة والإمكانات المحدودة وعلى صبرهم وصبر أهالي الطلاب، خاصة وأن الازمة الاقتصادية الخانقة التي نعاني منها ترافقت مع انتشار جائحة كورونا التي زادت من تعميق الأزمة في قطاع التربية والتعليم".
وشدد على "أن الحكومة في أول إنطلاقتها عمدت الى تثبيت العطاءات الخارجية، ثم في أول اجتماع لها بعد انقطاع دام ثلاثة أشهر بادرت الى تقديم المساعدة المالية للمعلمين شأنهم في ذلك شأن كل موظفي القطاع العام، وسنتشاور في سبل تعزيز هذه التقديمات المؤقتة في انتظار وضع البلد والقطاع التربوي من ضمنه على سكة التعافي".
ورأى "أن المطلوب من الأساتذة والمعلمين التعاون معنا لتمرير هذه المرحلة الصعبة بأقل الأضرار وعدم رمي المطالب دفعة واحدة في وجه الحكومة والطلاب والأهالي، لا سيما وأن حال الخزينة العامة لا يحتمل أي إنفاق خارج القضايا الأكثر إلحاحاً".
وشدد على "أنه في موضوع التعليم الخاص من الضروري التعاون بين إدارات المدارس والأساتذة والأهل لإيجاد حلول مقبولة من الجميع وعدم ترك التلامذة رهينة الخلافات التي تترك انعكاسات جسيمة على القطاع التربوي ككل".
وكان الرئيس ميقاتي يتحدث في افتتاح "اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان" الذي تنظمه وزارة التربية اليوم في السراي الحكومي.
الحضور
شارك في اللقاء وزير التربية والتعليم العالي ووزير الإعلام بالوكالة عباس الحلبي، رئيسة لجنة التربية النيابية بهية الحريري، وزير السياحة وليد نصار، وزير الشباب والرياضة جورج كلاس، النواب نقولا صحناوي، علي خريس، علي فياض، أسعد درغام، أيوب حميد، فريد البستاني، هاكوب بقرادونيان، محمد الحجار، إدوار طرابلسي.
كما حضرت سفيرة فرنسا آن غريو، سفير النروج مارتن يترفيك، سفير هولندا هانز بيتر فاندر وود، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في لبنان نجاة رشدي، ممثل منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ايامي اكو ، ممثل منظمة العمل الدولية عبد الله الوردات، ممثلة منظمة الصحة العالمية في لبنان إيمان شنقيطي، مدير اليونيسكو كوستانزا فارينا، الأمين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية، رئيسة مجلس الخدمة المدنية نسرين مشموشي، رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران، مدير عام التربية فادي يرق، مدير التعليم المهني والتقني هنادي بري، مدير عام المؤسسة الوطنية للاستخدام إيلي برباري، رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران، رئيس الجامعة اليسوعية الأب سليم دكاش، رئيس الجامعة العربية عمرو العدوي، رئيس جامعة البلمند إلياس وراق، رئيسة جامعة AUST هيام الصقر، نقيب المدارس الخاصة رودولف عبود، الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر، نقيب الأطباء شرف أبو شرف، مدير الوكالة الجامعية الفرنكوفونية جان نويل باليو، وممثلون عن جامعات: القديس يوسف، العزم، اللبنانية الأميركية، والأميركية. وقدّم الحفل الصحافي ألبير شمعون.
كلمة رئيس الحكومة
وألقى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كلمة قال فيها: تشكل التربية والتعليم أحد أهم أركان بناء الدولة، ولأنهما كذلك فهما يتأثران بكل العوامل التي تتأثر بها الدولة. وفي وضعنا الراهن فإن التربية والتعليم هما أكثر ضحايا الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف ببلادنا منذ قرابة السنتين.
ومن هذا المنطلق كان لقاؤنا التشاوري الوطني اليوم كخطوة أساسية لإنقاذ قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان وتعافيه. وفي هذا السياق لا بد من أن أحيي جهود معالي وزير التربية عباس الحلبي وطاقم الوزارة، كما أتوجه بتحية تقدير خاصة لرئيسة لجنة التربية النيابية السيدة بهية الحريري التي تواظب منذ سنوات طويلة على متابعة الشؤون التربوية وإيجاد الحلول المناسبة لها.
منذ اليوم الأول لعملنا الحكومي ونحن نواجه معضلة حل الأزمات التربوية المتراكمة ونسعى مجتمعين لحلها بالشراكة والتعاون بين الجميع رسميين وإدارات مدارس وهيئات تعليمية محلية ودولية ولجان أهل.
أضاف "صحيح أننا لا نحمل عصا سحرية لمعالجة هذه المشكلة دفعة واحدة، لكننا بالتأكيد نملك الإرادة والعزم والتصميم على المحاولة، ونتطلع إلى تفهم الجسم التعليمي من أساتذة وإداريين لوضع الحكومة والإمكانات المحدودة وعلى صبرهم وصبر أهالي الطلاب، خاصة وأن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي نعاني منها ترافقت مع انتشار جائحة كورونا التي زادت من تعميق الأزمة في قطاع التربية والتعليم.
لقد عاجلت الحكومة في أول إنطلاقتها الى تثبيت العطاءات الخارجية، ثم في أول اجتماع لها بعد انقطاع دام ثلاثة أشهر بادرت الى تقديم المساعدة المالية للمعلمين شأنهم في ذلك شأن كل موظفي القطاع العام، وأنا أعرف أن هذه المساعدة غير كافية في وضعنا الراهن ولا تفيهم حقهم، ولكن وكما كان أهلنا يقولون لنا "البحصة بتسند خابية" فإن هذه المساعدة في وقتنا الراهن هي البحصة التي نريدها أن تسند خابية حياتهم اليومية مع عائلاتهم.
وفي هذا اللقاء سنتشاور في سبل تعزيز هذه التقديمات المؤقتة في انتظار وضع البلد والقطاع التربوي من ضمنه على سكة التعافي.
وفي المقابل فإن المطلوب من الأساتذة والمعلمين التعاون معنا لتمرير هذه المرحلة الصعبة بأقل الأضرار وعدم رمي المطالب دفعة واحدة في وجه الحكومة والطلاب والأهالي، لا سيما وأن حال الخزينة العامة لا يحتمل أي إنفاق خارج القضايا الأكثر إلحاحاً. الأولوية لدى الجميع في الوقت الراهن بجب أن تكون للمواءمة بين تأمين مقومات العيش الكريم للجميع والمحافظة على رسالة التعليم التي يحملها المعّلم منذ اليوم الأول لدخوله سلك التعليم.
وقال رئيس الحكومة "في هذا اللقاء التربوي الجامع، أعرب عن فخري واعتزازي بالجامعة اللبنانية وبكادرها التعليمي الذي يعتبر من بين أرقى الكوادر التعليمية في المنطقة العربية وأكثرها معرفة وكفاءة، وإن كانت الأزمة الاقتصادية الراهنة قد ضربت الكثير من المكتسبات المادية لهذا الكادر التعليمي وأجبرت الكثير منهم على الهجرة فإني أؤكد لكم أننا في الحكومة نعمل جاهدين على أوسع عملية إصلاح إقتصادي وإداري لإعادة البلد الى سكة السلامة، وفي حال نجاحنا في ذلك، وإن شاء الله سننجح، فإن أوضاعهم ستعود ليس فقط كما كانت عليه بل ستكون أفضل. ولكن ذلك لا يمنع أن نعيد النظر في انتشار فروع الجامعة اللبنانية وإعادة توزيعها وفق الحاجة وليس وفق محاصصات أثبتت أنها بعيدة كل البعد عن حاجة المواطنين.
أما في القطاع الخاص، فقد شكلت الجامعات العريقة على مدى سنوات طويلة رافعة للسمعة الطيبة للتعليم في لبنان، لكننا وللأسف بدأنا في السنوات القليلة الماضية نشهد تراجعاً ملحوظاً في أداء بعض هذه الجامعات الخاصة، بسبب ابتعاد البعض من أصحابها عن الرسالة التربوية للجامعة والجنوح نحو ابتغاء الربح غير المشروع والطرق الملتوية في تحقيق هذا الربح، لذلك فإن المسؤولية تقع أولاً على أصحاب هذه الجامعات لاستعادة سمعة جامعاتهم وثانياً علينا لملاحقة هذه الجامعات ومراقبة إلتزامها بالقوانين المرعية الإجراء من أجل حماية سمعة التعليم في لبنان ومن أجل رفع مستوى الخريجين.
وقال "أما في التعليم الخاص فلا بد أن أؤكد ضرورة التعاون بين إدارات المدارس والأساتذة والأهل لإيجاد حلول مقبولة من الجميع وعدم ترك التلامذة رهينة الخلافات التي تترك انعكاسات جسيمة على القطاع التربوي ككل.
ويجب أن يكون التكامل بين القطاع الخاص والرسمي محور نقاشاتكم اليوم وفي الأيام المقبلة من أجل الخروج بتوصيات واضحة في هذا المجال. وأنا أتعهد لكم بأن حكومتنا ستولي كل الاهتمام لهذه التوصيات والحرص على تنفيذ ما يمكن منها.
ونحن هنا اليوم لأن أولادنا هم على رأس أولوياتنا ومحط اهتمامنا الأول والأخير، ولبنان سيتعافى من خلالهم ومن خلال التربية والتعليم، وإذا استطعنا اليوم معكم إنقاذ التعليم نكون قد وضعنا حجر الأساس لإنقاذ لبنان وبناء الإنسان.
الحريري
في الجلسة الافتتاحية تحدثت رئيسة لجنة التربية النيابية النائب بهية الحريري فقالت: منذ بداية تشكيل حكومة دولة الرئيس نجيب ميقاتي وتكليف فضيلة الصديق الأستاذ عباس الحلبي وزيراً للتربية والتعليم، وبناء على رغبة دولة الرئيس ميقاتي أصبحنا نلتقي دورياً مع دولته بشكل منتظم لمتابعة التّحديات التربوية التي تتعاظم يوماً بعد يوم نتيجة عدم التّعامل بالجدية المطلوبة مع مخاطر العملية التربوية الكبيرة والواضحة منذ بداية الأزمة الوبائية العالمية قبل عامين ونيف والتي استدعت في كلّ العالم تغييراً في الأولويات التعليمية مما أدّى إلى إستحداث سياسات تربوية إستثنائية لحماية العملية التربوية من الانهيار نتيجة الظّروف الوبائية التي حتّمت على كلّ العالم سلوكيات وقائية إلزامية.
وقالت "أمّا في لبنان فلقد تقاطعت الظّروف التربوية ومخاطرها الوبائية مع الانهيارات الكارثية الاقتصادية والنقدية والتي أتت على كلّ أسباب المداخيل والمدخرات وبذلك تكون العملية التربوية في لبنان تواجه العطالة الوبائية وتحولاتها النمطية بين التّعليم عن بعد والتّعليم الاندماجي مع تباين القدرات الإلكترونية والمنهجية بين مدرسة وأخرى ومنطقة وأخرى، ناهيك عن ظروف الضرورات اللوجستية الإلكترونية والكهربائية وتحديات النقل والاندماج وغيرها من المستجدات التقنية والمعرفية على صعيد المناهج والخبرات الغير متوفرة بشكل عادل يسمح باعتماد سياسات واحدة تطال كلّ مراحل وقطاعات التّعليم في لبنان".
وقالت "تأتي هذه الإنطلاقة الموضوعية التّشاورية بناء على رغبة دولة الرئيس نجيب ميقاتي خلال لقائنا الأخير مع دولته، حيث بادر معالي وزير التربية الأستاذ عباس الحلبي ومعه الفريق الإداري في الوزارة، وفي مقدمتهم المدير العام لوزارة التربية ومديرو الإدارات المختصة ومعهم الفريق الإستشاري في رئاسة الحكومة، بالإعداد لهذه العملية التشاورية بين كافة المكونات التربوية الوطنية والشركاء الدوليين، الذين يحاولون خلال السنوات الماضية المساهمة في إخراج الطفل اللبناني من بئر الأزمات العميقة التي باتت تهدد إستقراره، حيث تنتظر الأجيال اللبنانية منذ ما يقارب الثلاث سنوات أن تزاح عن صدرها جبال العطالة والإستهتار وما نتج عنها من مخاطر وانهيارات، وتلك الأجيال تتطلع إلى خشبة الخلاص الدولية على أمل أن تتلاقى مع الإرادات الطيبة التي لا تزال تؤمن بحق أجيال لبنان بالخروج سالمين من بئر الإهمال والاستهتار بمستقبل الأجيال، من دون ننسى أهوال إنفجار ٤ آب ودماره الإجتماعي والإقتصادي والعمراني والتربوي، بالتزامن مع المخاطر الوبائية والاقتصادية، مما حفّز على هجرة أفضل الطّاقات البشرية والخبرات المميزة. وكان أول ضحايا تلك الهجرات قطاعا الصحة والتعليم حيث غادر لبنان إلى بلاد الإنتشار والجوار أفضل الكفاءات بحثاً عن القليل من الأمن المعيشي والإجتماعي الذي أصبح صعب المنال في لبنان. إنّنا نتطلّع إلى أن يتحوّل هذا اللقاء التّشاوري إلى إطار فاعل وجدي للتّعاون المكثّف بين كافة المكونات التربوية الوطنية ومع الأصدقاء من الدول المانحة والمنظمات الدولية. والتي أصبح لها الكثير من التّقدير والثّقة لدى عموم اللبنانيين وهؤلاء الأصدقاء أصبحوا بمثابة فرق الإنقاذ التي تقاطرت حول بئر أجيال لبنان لرفع جبال الإهمال والسياسات العشوائية والإنتقائية".
أضافت "إنّنا نمرّ في ظروف تربوية بالغة الصعوبة والخطورة، رغم كلّ الجهود التي بذلت بشكل متقطّع من خلال محاكاة العناوين التي تراكمت واستجدت خلال السنوات الماضية والتي حاولتُ والزملاء في لجنة التربية مواكبتها بما استطعنا من محاولات، إلاّ أنّ الظّروف التي تعيشها العملية التربوية اليوم هي أشبه بالأيام الخمسة التي واجهها ملاك الطفولة المغربية والعربية والعالمية ريان حيث يريد كلّ الأهل في لبنان تأمين التّعليم الجيد لأولادهم ويريدون أيضاً تأمين الدواء والغذاء وشيء من الأمان، مما يجعلهم في حيرة بين تأمين مستلزمات التّعليم وتأمين مستلزمات الحياة، وهناك أيضاً تلك الشريحة التي تحفر في الجبال حول البئر من أجل إنقاذ التّعليم في لبنان، بكل الطاقات والأدوات من مدرّسات ومدرّسين والذين يقاومون مغريات مغادرة البلاد بكل حزم وإصرار من أجل إنقاذ التّعليم في لبنان، لكنّهم في الوقت عينه يقفون عاجزين أمام متطلبات أولادهم الذين يريدون منهم تأمين مستلزمات الحياة التي لم تعد تؤمّنها مداخيل المعلّمات والمعلّمين في القطاع العام والقطاع الخاص والمتعاقدين وكافة مراحل التعليم في لبنان من دون أن ننسى الدّور الريادي للقيادات التربوية من مديرات ومديرين ونظّار. إنّ محنة العملية التربوية في لبنان لا تختلف عن محنة الطفل الملاك ريان، والتّعليم في لبنان يحتاج إلى إرادة بالإنقاذ قبل فوات الأوان وموت التّعليم إحدى أهم خصائص لبنان.
وزير التربية
وألقى وزير التربية عباس حلبي كلمة قال فيها "إن القلق على الوضع التربوي جراء الانهيارات المجتمعية المتتالية والأزمات، دفعنا إلى تنظيم هذا اللقاء التشاوري الذي نخصصه لبحث سبل إنقاذ قطاع التعليم في لبنان. وإنني أغتنم هذه المناسبة لتوجيه الشكر والتقدير إلى دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ نجيب ميقاتي على استجابته الدائمة لمطالب القطاع التربوي بكل مكوناته. وما رعايته وحضوره الشخصي وعنايته بهذا اللقاء، إلا دلالة على رغبته وعزمه على حماية القطاع، ووضع خطة قابلة للتطبيق تحفظ الميزة التفاضلية للبنان ولتاريخه التربوي والجامعي المضيء، وتسهم في تماسك المنظومة التربوية والحفاظ على مواردها البشرية من الهجرة والضياع.
كما أتقدم بالشكر والتقدير من رئيسة لجنة التربية النيابية السيدة بهية الحريري التي تتشارك معنا في التأسيس لهذا اللقاء والعناية بتطوير التشريعات التربوية في لجنة التربية النيابية، وفي متابعة الهمّ التربوي والإسهام في استنباط الحلول للمشاكل المتجددة والراهنة.
وأود أن أخص الجهات المانحة والأمم المتحدة والمنظمات الدولية التي تنضوي في إطارها بالشكر والتقدير، على وقوفها إلى جانب التربية ودعم مشاريعها وخططها، وأوجه تحية إلى سعادة المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في لبنان السيدة نجاة رشدي الموجودة بيننا اليوم.
أضاف "إن البحث في المشكلات التربوية وقضايا التعليم بما يتضمنه من ملفات، وطرح مسألة التربية كلها على بساط البحث في مرحلة مفصلية لا يعني أن نتائجه ستترجم نهوضاً تربوياً شاملاً، لكنه يمكن أن يحدد مساراً أو خريطة طريق للعمل على إنقاذ القطاع بروح جماعية من التعاون وتوفير الإمكانات إلى أن نتمكن لاحقاً من خوض غمار الإصلاح الذي يشكل مساراً مستقلاً ومفتوحاً على التفكير الدائم بالتطوير، وهو بهذا المعنى يشترط التقويم المستمر وفق معايير وأهداف تحتاج الى سنوات وتراكم معطيات وتحقيق إنجازات.
لا شك في أن الأزمة ضربت كل القطاعات التربوية في البلد، من دون أن تتمكن الدولة من التقدم خطوات لمعالجة شاملة للمشكلات المرتبطة بها. وأرى أن تراكم الأزمات أدى الى ما وصلت إليه أوضاع القطاعات اليوم. فالسلطات المتعاقبة تتحمل مسؤولية كبرى بطريقة إدارتها لقضايا التربية، فيما الوزارة التي تواجه المعضلات، لا تستطيع وحدها معالجة الأزمات التي تتهدد القطاع التربوي برمته من دون أن يقرر مجلس الوزراء تأمين الدعم واتخاذ القرارات التي تسهم في انتشاله من مأزقه.
لعل ما نشهده اليوم يعبر عن عمق الأزمة التي طاولت الجميع. فأنا على اقتناع أن التربية هي عمل جماعي وجهد مشترك بين مكوناتها كلها، وبين الأستاذ والإداري والموظف. فالتعاون هو الأساس لعبور المرحلة الصعبة. ومنذ أن تسلمت مهامي في التربية قبل أربعة أشهر واجهت مشكلات كبرى في القطاع، لكني قررت التصدي للوضع المرتبك والفوضى السائدة كي لا أجزم أن هناك ما يُحاك ضد التربية خصوصاً ضد التعليم الرسمي. وقد رأيت أن من مصلحة التربية أن نبعد عنها التأثير السياسي ونعزلها عن السياسة كي لا تبقى تُشكل حجر عثرة في تطوير القطاع وحل مشاكله. وبينما نظرت إلى المشكلات بروح إيجابية إلا أني اكتشفت أنها أكبر بكثير في بلد يشهد هجرة لنخبه، من أساتذة كفوئين وطلاب وشباب، وهو ما يفرغ قطاع التعليم الجامعي وما قبل الجامعي من كفاءاته ويؤدي إلى نزيف في العنصر الشبابي الذي يحتاجه لبنان ويعكس انعدام ثقة هؤلاء بمستقبل البلد".
وقال" الأزمة التي تعصف بلبنان والتي ضربت فئات أساسية وأفقرتها وعبثت بمكوناته الاجتماعية ورمت طبقته الوسطى إلى خط الفقر. هذه الأزمة أحدثت انهياراً في كل القطاعات، شعرنا أنها وضعت العائلات في موقع عدائي للمؤسسة التربوية. وقد واجهنا منذ بدء العام الدراسي مشكلات لا تعد ولا تُحصى، لا تقتصر على قطاع واحد بل تطاول كل التعليم الرسمي والخاص والجامعة اللبنانية والتعليم المهني والتقني والجامعات الخاصة. ممارسات لم يعهدها التعليم ولا التربية دخلت على الخط، وأسهمت في جعل القطاع يعيش أوضاعاً مزرية.
لا أبالغ في هذا المضمار إذا قلت أن التعليم الرسمي بات في دائرة الخطر، وليس فقط العام الدراسي الذي نسعى بكل إمكاناتنا لإنقاذه، بعد عودة أساتذة الملاك في التعليم الثانوي والأساسي والمهني والتقني وقسم من المتعاقدين إلى الصفوف، لكن المقاطعة لثلاثة أشهر أحدثت فجوة خطيرة في التعليم، كما أن التعليم عن بعد في خلال العامين الماضيين لم يؤد وظيفته لا بل أنه فشل بسبب عدم جهوزية القطاع التربوي للتعليم في أوقات الأزمات ونظراً أيضاً لقلة الإمكانات في تلبية ما يتطلبه القطاع من أموال لتسيير شؤون المدارس ودعم المعلمين. لكننا عملنا قدر المستطاع لتأمين الحد الأدنى للاستمرار من خلال إقرار دعم المعلمين بالمنحة الاجتماعية وبدلات الحضور (النقل) ومبلغ الـ 90 دولاراً الشهري عبر الجهات المانحة. كما حولنا إلى صناديق المدارس مبلغ 313 مليار ليرة لتتمكن من الإنفاق على المصاريف التشغيلية، وأمّنّا من طريق التعاون بين المركز التربوي واليونيسف طبع وتوزيع الكتاب المدرسي الوطني إلى المدارس الرسمية كافة مجاناً، والمدارس الخاصة الراغبة باستخدام الكتاب الوطني، وتم أيضاً تأمين مواد النظافة والتعقيم والكمامات للمدارس. وأنجزنا حملة مناقلات موسعة بين أفراد الهيئة التعليمية لتقصير المسافات بين منازلهم ومدارسهم، كما أجرينا العديد من اللقاءات مع السفارات والبعثات الديبلوماسية لتأمين عدد مهم من المنح الجامعية للطلاب اللبنانيين في الخارج".
وقال "لا يسعنا في هذا اللقاء إلا تقديم الشكر على كل الجهود والمساعدات التي قدمت من المانحين والتي تسهم في إنقاذ القطاع التربوي. ولأني مؤمن وعلى قناعة تامة بأن القطاع لا يتقدم إلا بالتعاون بين مكوناته، فإنني حريص على التواصل مع الكادر التعليمي، وقد كان للمديرية العامة للتربية دور كبير في ذلك، وأعتبر أن تأمين مقومات العيش الكريم لهذه الفئة بكل أجنحتها يؤدي الى تحقيق نتائج إيجابية والى استقرار في الأداء وعلاقة سليمة مع وزارة الوصاية. الأولوية بالنسبة إلينا في هذه الوجهة تبقى إنقاذ التعليم الرسمي وإعادته إلى مستواه وموقعه التاريخي في القطاع التربوي اللبناني".
أضاف "الأزمة أيضاً طاولت المدرسة الخاصة. المشكلة الأكبر المالية والاقتصادية انعكست على الأهل والأساتذة، ومشكلة الأقساط التي لا يستطيع الأهالي تحملها، وفي المقابل لا تتمكن المدرسة من الاستمرار من دون تمويل. وقد بات التدخل الخارجي أساسياً للخروج من الأزمة، بمساعدة الدولة. ونحن لم نقف مكتوفي الأيدي بل سعينا للدعم ولتأمين حقوق كل المكونات في المدرسة الخاصة من معلمين وأهل وإدارات عبر إقرار منحة الـ 500 مليار ليرة في مجلس النواب، وهي أسهمت في تغطية الدرجات الست للمعلمين، ثم إقرار البطاقة التربوية التي تجيز للتلميذ أن يختار المدرسة الخاصة كما المدرسة الرسمية.
إننا نعتبر المدرسة الخاصة ركناً أساسياً في التعليم، ويهمنا التأكيد على حمايتها أيضاً إلى جانب التعليم الرسمي، فالقطاعان العام والخاص في التربية يكملان بعضهما البعض، وأي خلل في قطاع سينعكس حكماً على الثاني ويتسبب في مشكلات نحن في غنى عنها. وقد كنا حرصاء في هذا الشأن أيضاً على مراعاة أوضاع الأهل باعتبار أن زيادة الأقساط بنسبة كبيرة قد تؤدي إلى أزمات جديدة. كما أننا نؤكد حرصنا على تحصين وضع الأساتذة في القطاع الخاص وشملهم بالرعاية والمساعدات بلا أي تمييز".
وقال "لا بد في هذا السياق من التوقف عند الجامعة اللبنانية، جامعة الوطن، التي تضم أكثر من 86 ألف طالب وطالبة. الجامعة التي تواجه الكثير من الصعوبات، من موازنتها إلى وضع أساتذتها وهيكليتها. وقد سعينا بالفعل منذ أن تسلمنا مهماتنا الوزارية، فنجحنا في أن يُعين مجلس الوزراء رئيساً جديداً يتمتع بصفات أكاديمية، ونحن نعمل سوياً على رفع قيمة الجامعة أكاديمياً واستكمال هيئاتها على أسس تقوم على الشفافية والوضوح، وسنطرح ملفاتها على مجلس الوزراء لتعيين العمداء واستكمال مجلس الجامعة، وايضاً إدخال المتفرغين الى الملاك، كما إنجاز ملف تفرغ المتعاقدين لأن الجامعة لا يمكن لها الاستمرار من دون إنجاز هذا الملف بعد إحالة العديد من أساتذتها الى التقاعد.
وأكشف في هذا الصدد أنني أعمل بموازاة ما يسعى إليه رئيس الجامعة من إصلاح، وخطته للتطوير، على إعداد مشاريع تدعم هذه المؤسسة الوطنية، ومنها المشروع الذي سأقدمه إلى مجلس الوزراء لاستعادة صلاحيات رئاسة الجامعة ومجلسها لتدير نفسها بنفسها وفق حاجاتها، مع الملاحق التي تسهم في تعزيز ريادتها الأكاديمية وترسيخ موقعها في التعليم العالي كجامعة أكاديمية للبحث العلمي.
في التعليم المهني والتقني نسعى مع المديرة العامة إلى وضع مشاريع تطوير لهذا القطاع بهدف الانفتاح على سوق العمل. ولا شك في أن هذا التعليم يشكل مفتاح النهوض إذا تمكنا من دفعه إلى الإمام، وهذا يتطلب رفده بالمتخصصين وتحسين وضع أساتذته وتهيئة المهنيات وتجهيزها لتتمكن من تخريج طلاب كفوئين إلى سوق العمل. وقد وضعنا استراتيجية للتعليم المهني والتقني لتطويره على المدى المتوسط ستظهر نتائج تطبيقها تباعاً في المرحلة المقبلة. والأساس هو كيف يتحول هذا التعليم منتجاً للمهارات المتخصصة وصقلها كي تسهم في إعادة النهوض بالبلد. وهذا يستدعي بالطبع تطوير مناهجه لتتلاءم مع حاجات السوق وتعزز فرص العمل.
وتابع وزير التربية: التعليم العالي الخاص أيضاً كان له حصة من الأزمة والانهيار. في الواقع نحن نعمل على إعادة تقييم وضع الجامعات، وبعضها له دور تاريخي في الكيان اللبناني، وعلينا أن نحافظ على تميزه ورياديته. وفي المقابل عملنا على إعادة تشكيل مجلس التعليم العالي مع لجانه الفنية ليتمكن من مواكبة أوضاع الجامعات الخاصة وضبط المخالفات وتطبيق قانون التعليم العالي مع المحاسبة والمكاشفة واستعادة الممارسات القائمة على المعايير الأكاديمية والجودة. وأشير إلى أننا نسعى، إضافة إلى معالجة المخالفات وضبط موضوع التراخيص، لدفع الجامعات إلى تطوير مناهجها وربطها بالأسواق. وفي المجال الأكاديمي نشدد على هيكلة التعليم العالي ونتعاون مع السلطة التشريعية لإقرار مشروع ضمان الجودة.
أيها الحضور الكريم،
نحن في التربية أمام تحدي الاستمرار. النوعية تقوم على قاعدة البحث العلمي من جهة وعلى المعارف الجديدة من جهة ثانية، وأيضاً على ضمان الجودة. وفي الواقع كان أمامنا تحدٍّ لا يقل أهمية عن غيره هو التحدي المالي. فعدم الاستقرار في التدريس يؤدي إلى نشوء سلبيات كثيرة وفاقد تعليمي وتدنٍّ في النوعية. نحن نحتاج الى الكوادر الإدارية. وأكشف أمامكم أنه لا يوجد مديرية عامة للتعليم العالي متكاملة ولا يوجد موظفون يستطيعون تلبية متطلبات هذا القطاع ومتابعة هذا الملف. لكننا نسعى لتذليل العقبات وفي وقت قريب جداً سيصبح لدينا استراتيجية للتعليم العالي وقد استكملنا هيكليته عن طريق مجلس التعليم العالي. ويبقى أن نعيّن في وقت قريب مديراً عاماً أصيلاً للمديرية العامة للتعليم العالي.
إن رؤيتنا للتربية تستهدف النهوض بالقطاع على قاعدة واضحة وعلى رسم مستقبل لبنان التربوي. فعلى الرغم من كل الأزمات وما يحيط بنا، سعينا
للحفاظ على السنة الدراسية، ونحن نشكر الجهات المانحة التي أسهمت في دعمنا وتوفير ما أمكن من مساعدات لنا.
ونشدّد في هذا السياق على برنامج الخطة الخمسية للتربية، وهو يقوم على ثلاث ركائز: حق الولد في التعليم، حقه بنوعية جيدة للعلم، والإدارة الرشيدة للتربية والحوكمة.
وتهدف الخطة بالتعاون مع الجهات المانحة إلى إنقاذ القطاع التربوي والوصول إلى تعليم نوعي للجميع في كل المراحل والقطاعات.
وأعني برؤيتنا للسياسة التربوية أيضاً أن نوفر فرصاً متساوية لجميع الأولاد في القطاعين الرسمي والخاص، من دون تمييز بين المتعلمين، ونأخذ في الاعتبار من خلال الخطة الخمسية الفئات المهمشة والفقيرة وتفرد حيزاً للتلامذة من ذوي الحاجات الخاصة، وتفتح أمامهم إمكانات الحصول على التعليم.
وقال وزير التربية "نعمل أيضاً على تطوير المناهج التربوية حيث لا تزال ورشتها قائمة، ونعوّل على مواكبة التحديث في التربية بكل شفافية، ووضع طرائق تعليم جديدة في كل مراحل التعليم. فالخطة الخمسية تلحظ تطوير المناهج والتحول الرقمي، وهنا نحرص على تطوير المركز التربوي للبحوث والإنماء وتفعيل عمله كعقل للتربية وبناء قدرات أفراد الهيئة التعليمية، لمواكبة التطور التربوي واستخدام التكنولوجيا. وسيكون لموضوع تطوير المناهج والبحوث التربوية والتدريب جلسة خاصة في المحطة الثانية من هذا اللقاء التشاوري في السادس عشر من الشهر الحالي.
في الختام لا بد من التأكيد على دور الدولة في رعاية التربية للوصول الى مستوى علمي مرموق. فلبنان كان عنده رواد في التربية وعلينا أن نستعيد موقعه التعليمي ودوره المتميز. في بلدنا، ممارسات التعليم مترسخة وتاريخية ونحن نحتاج الى نقاشات معمقة من معنيين في الشأن التربوي وأصحاب القرار وتضافر جهود الجميع لوضع الخطط وإعداد الدراسات والتقويم، من أجل الإنقاذ والإصلاح والتطوير. والحفاظ على المدرسة والتعليم يجب أن يكون من الأولويات كي لا تختنق التربية في مهدها".
ويستمر "اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان" في السراي الحكومي طوال النهار.
اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان
اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان
اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان
اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان
اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان
اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان

